إخوان الصفاء

317

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

هذه العلّة لا يكون إلّا عن حالين : أحدهما في النفس والآخر في الجسد . فالذي في النفس ينقسم قسمين : فأحدهما يختص بالنفس الناطقة والقوّة العاقلة ، والآخر يختص بالنفس الحيوانية والقوة الشهوانية . والذي يختص بالجسم أيضا ينقسم قسمين : أحدهما بالحرّ واليبس ، والآخر بضده وهو البرد والرطوبة . وأما ما يختص بالنفس الناطقة فهو الفكر في المبدع ، جلّ جلاله ، وما أبدع ، والحيرة فيما خلق وبرأ وأنشأ ، وإعمال الرويّة وإجالة الفكر في كيفيّة الابتداء والانتهاء ، وما شاكل ذلك من الأمور الإلهية . فإن النفس إذا غرقت في هذا الأمر ، وانغلقت عليها أبوابه وتعذّرت أسبابه ، ضاقت وحرجت فأحرقت طبيعة الجسد ، فضعفت القوى الطبيعية عن تناول الغذاء ، وحدث بالجسم ما ترى من الضّعف والتغيّر والهزال والضنى . ولا يزال ذلك كذلك يتزايد ما دامت تلك العلة مستدامة ، والخاطر مشغولا بها ، والأبواب عليه مغلقة ، والأسباب متعذرة ، ولا يجد من يفتح عليه ما انغلق من أبوابه ، ويسهّل ما صعب من أسبابه . وأما القسم المختص بالنفس الحيوانية والقوة الشهوانية فكالعشق للصورة البهيمية من النساء والصبيان والأحداث والمردان ، مثل ما يعرض للعاشق إذا غاب عنه معشوقه ، وحيل بينه وبين محبوبه ، فيظهر به من الضّعف والتغيير ما يكون به تلف الجسد وانحراف المزاج وفساد البنية ، وربما دخل عليه زيادة أدّته إلى الماليخوليا واحترق ، ووصل المرض إلى شغاف قلبه فهلك وباد . وأما ما يكون في الجسد من العلل العارضة من جهة الطبائع الأربع فإن لكل علة تحدث من فساد المزاج غلبة الطبائع بعضها على بعض ، فله علامات يستدلّ بها على تلك العلة ، ومواضع يقصد بالأدوية إليها ، ولا يجب للطبيب الحاذق أن يبدأ بدواء العليل إلّا بعد السؤال له عن السبب في تلك العلة ما هو ؟ وكيف كان ؟ وعما كان ؟ وما أصله ؟ أهو شيء من