إخوان الصفاء
31
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
إليه ، اجتمع معه حواريّوه في بيت المقدس في غرفة واحدة مع أصحابه وقال : إني ذاهب إلى أبي وأبيكم ، وأنا أوصيكم بوصية قبل مفارقة ناسوتي ، وآخذ عليكم عهدا وميثاقا ، فمن قبل وصيتي وأوفى بعهدي ، كان معي غدا . ومن لم يقبل وصيتي ، فلست منه في شيء ، ولا هو مني في شيء ! فقالوا له : ما هي ؟ قال : اذهبوا إلى ملوك الأطراف وبلغوهم مني ما ألقيت إليكم ، وادعوهم إلى ما دعوتكم إليه ولا تخافوهم ولا تهابوهم ، فإني إذا فارقت ناسوتي ، فإني واقف في الهواء عن يمنة عرش أبي وأبيكم ، وأنا معكم حيث ما ذهبتم ، ومؤيّدكم بالنصر والتأييد بإذن أبي ! اذهبوا إليهم ، وادعوهم بالرفق ، وداووهم ، وأمروا بالمعروف ، وانهوا عن المنكر ، ما لم تقتلوا أو تصلبوا أو تنفوا من الأرض ، فقالوا : ما تصديق ما تأمرنا ؟ قال : أنا أول من يفعل ذلك ! وخرج من الغد وظهر للناس ، وجعل يدعوهم ويعظهم ، حتى أخذ وحمل إلى ملك بني إسرائيل ، فأمر بصلبه ، فصلب ناسوته ، وسمّرت يداه على خشبتي الصليب وبقي مصلوبا من ضحوة النهار إلى العصر ، وطلب الماء فسقي الخل ، وطعن بالحربة ، ثم دفن مكان الخشبة ، ووكّل بالقبر أربعون نفرا ، وهذا كله بحضرة أصحابه وحوارييه ، فلما رأوا ذلك منه أيقنوا وعلموا أنه لم يأمرهم بشيء يخالفهم فيه ، ثم اجتمعوا بعد ذلك بثلاثة أيام في الموضع الذي وعدهم أنه يتراءى لهم فيه ، فرأوا تلك العلامة التي كانت بينه وبينهم ، وفشا الخبر في بني إسرائيل أن المسيح لم يقتل ، فنبش القبر فلم يوجد الناسوت ! فاختلف الأحزاب من بينهم ، وكثر القيل والقال وقصّته تطول . ثم إن أولئك الحواريّين الذين قبلوا وصيته ، تفرقوا في البلاد ، وذهب كل واحد منهم حيث وجّه : فواحد ذهب إلى بلاد المغرب ، وآخر إلى بلاد الحبشة ، واثنان إلى بلاد رومية ، واثنان إلى ملك أنطاكية ، وواحد إلى بلاد الفرس ، وواحد إلى بلاد الهند ، واثنان أقاما في دير بني إسرائيل يدعون إلى رأي المسيح ، حتى قتل أكثرهم وظهرت دعوة المسيح في شرق الأرض