إخوان الصفاء

30

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

الشهوات الرديئة ، وأنتم في ذلّ العبودية أشقياء ، لا راحة لكم إلّا الموت والقبر ! فقالوا : كيف نعمل ، هل لنا بد من طلب المعاش ؟ قال : فهل لكم أن ترغبوا في ملكوت السماء حيث لا موت ، ولا هرم ، ولا وجع ، ولا سقم ؛ ولا جوع ، ولا عطش ، ولا خوف ، ولا حزن ، ولا فقر ولا حاجة ، ولا تعب ولا عناء ، ولا غمّ ، ولا حسد بين أهلها ، ولا بغض ، ولا تفاخر ولا خيلاء ، بل إخوان على سرر متقابلين فرحين مسرورين ، في روح وريحان ، ونعمة ورضوان ، وبهجة ونزهة ، يسيحون في فضاء الأفلاك وسعة السماوات ، ويشاهدون ملكوت رب العالمين ، ويرون الملائكة حول عرشه صافّين يسبّحون بحمد ربهم بنغمات وألحان لم يسمع بمثلها إنس ولا جان ، وتكونون أنتم معهم خالدون لا تهرمون ولا تموتون ، ولا تجوعون ولا تعطشون ، ولا تمرضون ولا تخافون ولا تحزنون ! وأكثر النّصح فيهم ، وعمل كلامه في نفوسهم ، وأراد اللّه ، عزّ وجلّ ، بهم خيرا ، فأسمعهم وهداهم ، وشرح صدورهم ، وفتح قلوبهم ، ونوّر أبصارهم ، فشاهدوا ما وصف المسيح ، عليه السلام ، مما يشاهده هو بعين البصيرة ، ونور اليقين ، وصدق الإيمان ، فرغبوا فيها وزهدوا في الدنيا وغرورها وأمانيها ، وخرجوا مما كانوا فيه من عبوديّة طلب شهوات الدنيا ، ولبسوا المرقّعات ، وساحوا مع المسيح حيث مرّ من البلاد . وكان من سنّة المسيح التنقّل كل يوم من قرية إلى قرية من قرى فلسطين ، ومن مدينة إلى مدينة من ديار بني إسرائيل ، يداوي الناس ، ويعظهم ويذكّرهم ويدعوهم إلى ملكوت السماء ، ويرغّبهم فيها ، ويزهّدهم في الدنيا ، ويبيّن لهم غرورها وأمانيها ، وهو مطلوب من ملك بني إسرائيل وغوغائهم . وبينا هو في محفل من الناس ، هجم عليه ليؤخذ ، فتجنب من بين الناس ، فلا يقدر عليه ولا يعرف له خبر ، حتى يسمع بخبره من قرية أخرى ، فيطلب هناك ! وذلك دأبه ودأبهم ثلاثين شهرا . فلما أراد اللّه تعالى أن يتوفّاه ويرفعه