إخوان الصفاء

29

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

الأرواح ، والتنبيه لها من نوم الجهالة ، والتيقّظ لها من رقدة الغفلة ، وتخليصها من ألم نيران الشهوات الجسمانية المحرقة للأفئدة ، والتبصير لها من الغرور باللذات الجرمانية المهولة ، وشفاؤها من الأمراض النفسانية ومن عذاب الحر والبرد ، والجوع والعطش ، وألم الأمراض والأسقام ، وخوف الفقر والتلف ، والأحزان والأسف ، وأحداث الزمان ، وغيظ الأعداء ، والغم على الأصدقاء ، وحرقة الإشفاق على الأحبّاء والأقرباء ، ومعاداة الأضداد ؛ ومكايدة الأقران ، وحسد الجيران ، ووساوس الشيطان ، ونوائب الحدثان حالا بعد حال . فلما رآهم المسيح على تلك الحالة ، لا فرق بينهم وبين من لا يقرّ بالمعاد ، ولا يعرف الدين والنبوّة ، ولا الكتاب ولا السّنّة ، ولا المنهاج ولا الشريعة ، ولا الزّهد في الدنيا ، ولا الرغبة في الآخرة ، غمّه ذلك منهم ورقّ لهم وتحنن على أبناء جنسه ، وتفكّر في أمرهم كيف يداويهم من دائهم الذي استقرّ بهم ، وعلم أنه إن وبّخهم بالتعنيف والوعيد والزّجر والتهديد لا ينفعهم ذلك ، لأن هذه كلها موجودة في التوراة ، وما في أيديهم من كتب الأنبياء ، عليهم السلام ، فرأى أن يظهر لهم بزيّ الطبيب المداوي ! وجعل يطوف في محالّ بني إسرائيل يلقى واحدا يعظه ويذكّره ويضرب له الأمثال ، وينبهه من الجهالة ، ويزهّده في الدنيا ، ويرغّبه في الآخرة ونعيمها ، حتى مرّ بقوم من القصّارين خارج المدينة ، فوقف عليهم فقال لهم : أرأيتم هذه الثياب إذا غسلتموها ونظفتموها وبيّضتموها ، هل تجوّزون أن يلبسها أصحابها وأجسادهم ملوّثة بالدم والبول والغائط ولون القاذورات ؟ قالوا : لا ، ومن فعل ذلك كان سفيها ! قال : فعلتموها أنتم ! قالوا : كيف ؟ قال : لأنكم نظفتم أجسادكم وبيّضتم ثيابكم ولبستموها ، ونفوسكم ملوثة بالجيف ، مملوءة قاذورات من الجهالة ، والعماء ، والبكم ، وسوء الأخلاق ، والحسد ، والبغضاء ، والمكر ، والغشّ ، والحرص والبخل ، والقبح ، وسوء الظن ، وطلب