إخوان الصفاء
286
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
المعادن والنبات والحيوان . واعلم يا أخي أن مثال سريان قوى النفس الكليّة في الأجسام الكليّة الجزئية جميعا كمثال سريان نور الشمس والكواكب في الهواء ومطارح شعاعاتها نحو مركز الأرض . واعلم أنه إذا اتفق في وقت من الزمان أن تكون الكواكب السيارة في أوجاتها وإشرافها ، ويكون بعضها من بعض على النسبة الأفضل التي تسمى النسبة الموسيقية ، سرت عندها تلك القوى من النفس الكليّة ووصلت بتوصل تلك الكواكب إلى هذا العالم ، فجرى أمر الكائنات على أعدل مزاج وأطبع طبائع وأجود نظام ، وتسمى تلك الأحوال سعادة . وإن اتفق أن يكون الحال على ضد ما ذكرت ، كان الأمر بالضّد ، ولا يكون ذلك بالقصد الأول ، ولكن بأسباب عارضة كما بيناها في رسالة الآراء والمذاهب في باب علل الشرور وأسبابها ، فتعرّفها يا أخي من هناك . واعلم أيها الأخ أنه ليس في معرفة الكائنات قبل كونها صلاح لكل أحد من الناس ، لأن ذلك منغّص للعيش ، وإنما يراد هذا العلم ليترقّى فيه إلى ما هو أشرف منه ويعرف الشر الذي فيه بمعرفة الأسباب والعلل ، فتتنبه النفس من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ، وتنبعث من موت الخطيئة ، وتنفتح لها عين البصيرة ، وتعرف حقائق الموجودات ، وتتحقق أمر المعاد ، فتزهد في الدنيا وتهون عليها مصائبها ، ولا تحزن ولا تجزع إذا علمت موجبات أحكام النجوم والفلك كما ذكر عن رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات » وتصديق ذلك قول اللّه تعالى : « لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم » . واعلم أيها الأخ أن هذه العلوم تنقسم على خمسة أقسام : أحدها علم الكيمياء الذي ينفي الفقر ويكشف الضر ، والثاني علم أحكام النجوم الذي يدرك به ما كان ويكون ، والثالث علم السحر والطّلّسمات التي تلحق الرعية بالملوك