إخوان الصفاء
258
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
ولا يتّهمونها ، إنما أصابهم ذلك لتفريط وقع منهم ، كذلك الأحوال العارضة للجسم من جهة الأحكام الفلكية والحركات النفسانية المنبعثة أولا من النفس الكليّة التي تذهب بالأجسام وتهدمها لا دواء للمعالج والطبيب ولا للمريض أيضا . فأما الصبر عليها وقلة الجزع منها إلى أن تزول أو يكون بها الانتقال إلى دار المعاد ، فأحق ما صبر عليه وأولى ما استجيب له . وبهذا الاعتقاد صحّ أن النفس هي جوهر غير الجسم وأنها هي الحاملة له المبتلاة به . فإذا تصوّرت ذلك وصحّ عندك وتمّ لك العمل بهذه السياسة ، فقد استراحت نفسك من الهم والغم من أجله وبسببه . فصل في السياسة النفسانية فبكون أخلاقك رضيّة ، وعاداتك جميلة ، وأفعالك مستقيمة ، تؤدّي الأمانة إلى أهلها كائنا من كان من وليّ وعدوّ ، وتأخذ نفسك بحفظها ، وترعى حق من استرعاك حقها ، وتحسن مجاورة جارك ، وتصفي مودّة صديقك ، وتخلص المحبة لمحبك ، مع قلة الطمع وإزالة الفزع في مستعجل زائل وحادث نازل ، وتريد للغير ما تريد لنفسك ، فقد جاء في كلام بعض الناس : « إن المؤمن لا يكون مؤمنا حقّا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه » ، وليس هذا من جيد الكلام ! وإنما قال الحكيم الفاضل ( ع م ) : « إن المؤمن لا يكون مؤمنا حتى يرضى لغيره ما يرضى لنفسه » . وهذا من شريف الكلام . وسبيلك أن تعوّد نفسك عمل الخير لأنه خير ، لا تريد بفعلك عوضا ، ولا يحملك على فعله خوف . فمتى فعلت لطلب المكافأة لم يكن خيرا ، وإن لم تطلب المكافأة ، وإن أردت الذكر والاسم ، كنت أيضا منافقا ولم يكن خيرا ، والمنافق لا يستأهل أن يكون في جوار الروحانيين . وأما سياسة الأهل من الإخوة والزوجة والأولاد والعبيد ومن يجري