إخوان الصفاء
22
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
الملك وحاشيته ورعيّته ومن معهم ، ويهلك عدونا وإن تلف جدي . ومع هذا أرى أن ذلك الرجل كان أسمح مني لأنه كان رجلا شابّا يرجو الحياة ، وأنا رجل شيخ قد سئمت الحياة . ومع هذا أعلم أن الملك إذا سلم يحسن إلى ذريتي أكثر مما كان يأمل ذلك الرجل منهم ، ويكون من حسن الأحدوثة بعدي مثل ما لذلك الرجل . ومع هذا فإن الذين أفديهم بنفسي أكثر عددا من الذين فداهم هو . ثم إن الملك أمر فصنع به ما أشار لما قرب فيروز ملك الفرس منه ، ورحل ، وترك مكانه . فلما رآه أصحاب فيروز على تلك الحال سألوه عن خبره ومن فعل به ما هو فيه . فزعم أنه كان أحد وزراء خيشوان ملك الهياطلة ، وأنه لما استشاره في مقاتلة فيروز ، أشار عليه بالصلح وأداء الخراج ، فكره ذلك منه وفعل به ما ترون . فرفع خبره إلى فيروز وأحضر وسئل فأجاب بمثل ذلك ، فصدّقه فيروز وقال : أصبت بما أشرت عليه ! فقال : يا أيها الملك ، فلتدركني رأفتك ، وتحملني معك لا يفترسني السباع ، فإني أدلك على طريق هو أقرب من هذا الذي تسلكه وأخفى . فقبل نصيحته . وقال : تزودوا ليومين ! وسلك بهم مفازة بعيدة . فلما ساروا يومين فني الزاد فقالوا : كم بقي ؟ قال : قليل ، سيروا سيرا عنيفا ، فساروا يومهم ، فلما كان من الغد قالوا له : كم بقي ؟ قال : لا أدري ، إني سلكت هذا الطريق وأنا بصير ، والآن ترون حالي ، اطلبوا لأنفسكم النجاة . فتفرّقوا في تلك البريّة وهلك أكثرهم ، ونجا فيروز مع نفر يسير من خاصته ، ورجع إلى بلاده ، وصالحه خيشوان ، ورجع إلى بلاده سالما هو وحاشيته ، وصارت ذرّيّة ذلك الشيخ من أعزّ من في المملكة وأغناهم ، وبقي حسن الأحدوثة عن الشيخ في إخوانه وأصدقائه وأبناء جنسه ! فهكذا رأي إخواننا الفضلاء الكرام في معاونة بعضهم بعضا لنصرة الدين وطلب المعاش ، إذا علموا أن في تلف أجسادهم صلاحا لإخوانهم في أمر الدين