إخوان الصفاء

23

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

والدنيا ، سمحت أنفسهم بتلف أجسادهم ، لأنهم يؤمّلون مثل ما أمّل ذلك الشيخ الحكيم وذلك الشاب الفاضل العاقل ، وزيادة عليهما ، وذلك أنهم يرون ويعتقدون أن من يفعل ذلك ابتغاء مرضاة اللّه ونصرة الدين وصلاح الإخوان ، فإن نفسه - بعد مفارقة جسدها - تصعد إلى ملكوت السماء ، وتدخل في زمرة الملائكة وتحيا بروح القدس ، وتسبح في فضاء الأفلاك ، في فسحة السماوات ، فرحة مسرورة منعّمة ملتذّة مكرّمة مغتبطة ، وذلك قول اللّه ، عزّ وجل : « إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه » يعني به روح المؤمن . وقال أيضا : « ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل اللّه أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم اللّه من فضله » إلى آخر الآية . وقد علم كل عالم أن تلك الأجساد قد بليت في التراب وتمزقت ، وأن هذه الكرامة إنما هي لتلك النفوس التي سمحت بتلف أجسادها في نصرة الدين وصلاح الإخوان ، وذلك أن رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، لما هاجر من مكة إلى المدينة كتب إلى المؤمنين كتابا أمرهم فيه بالهجرة إليه ، فمنهم من بادر بالهجرة ، ومنهم من توقف يؤدي في ذلك الأسباب المانعة له إما شفقة على تضييع أولاد له صغار ، أو والد كبير ، أو أخ له ، أو صديق ، أو زوجة موافقة ، أو مسكن مألوف ، أو مال مجموع يخاف تضييعه ، أو تجارة يخشى كسادها . فأنزل اللّه تعالى هذه الآية على نبيه ، صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، وبعث بها رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم : « قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من اللّه ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي اللّه بأمره واللّه لا يهدي القوم الفاسقين » . فلما قرءوها بادروا بالهجرة إلى رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، وبقي قوم ضعفاء لم يمكنهم الخروج لقلة الزاد وبعد الطريق ، فبقوا كالخاسرين . وجعل المشركون من أهل مكة يتعرضون لهم بالأذية شتما وحبسا وضربا وقتلا ،