إخوان الصفاء
169
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل واعلم أيها الأخ البارّ الرّحيم ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، أنه لا يحسن بنا أن ندّعي معرفة حقائق هذه الأشياء ونحن لا نعرف أنفسنا ، لأن مثل من يدّعي معرفة حقائق الأشياء ولا يعرف نفسه ، كمثل من يطعم الناس وهو جائع ، وكمن يكسو غيره وهو عريان ، وكمن يداوي الناس وهو عليل ، وكمن يهدي الناس إلى الطريق وهو لا يعرف طريق بيته ، فقد علم أن الإنسان في مثل هذه الأشياء ينبغي له أن يبتدئ أولا بنفسه ثم بغيره . واعلم أيها الأخ البارّ الرّحيم ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن كل واحد منا هو مركّب ومؤلف من جوهرين متباينين متضادين : أحدهما هو هذا الجسد الغليظ المحسوس المؤلف من اللحم والدم ، والعظم والجلد ، والعصب والعروق ، وما يشاكل ذلك ، وهذه كلها أجسام أرضية ميتة مظلمة فاسدة . وأما الجوهر الآخر فهو هذا الروح اللطيف ، أعني النفس ، فهي جوهرة سمائية روحانية نورانية علّامة درّاكة صور الأشياء . واعلم أن هذا الجسد لهذه النفس في المثال بمنزلة دار تسكن ، أو دابّة تركب ، أو آلة تستعمل ، وما دامت هذه النفس مع هذا الجسد مربوطة به إلى الوقت المعلوم ، فلا بد لنا من النظر فيما تصلح به معيشة الحياة الدنيا ، وما تنال به النجاة والفوز في الآخرة . واعلم أن هذين الأمرين لا يجتمعان ولا يتمّان إلّا بالمعاونة ، والمعاونة لا تكون إلّا بين اثنين أو أكثر من ذلك ، وليس شيء أبلغ على المعاونة من أن تجتمع قوى الأجساد المتفرقة ، وتصير قوة واحدة ، وتتفق تدابير النفوس المؤتلفة وتصير تدبيرا واحدا ، حتى تكون كلّها كأنها جسد واحد ونفس واحدة ، فعند ذلك تغلب كل من رام غلبتها ، وتقهر كل من خالفها وضادّها .