إخوان الصفاء
156
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
له صاحبه لما شكا إليه : اطلب الفرصة وضع الدواء حيث الداء ، فإن لكل مقام مقالا . فقال الوزير للملك : أخاف أيها الملك أن نكون فيما نحن فيه ، من عزّ سلطاننا ونعيم ملكنا ولذيذ شهواتنا وسرورنا بأحوالنا وفرحنا بما حولنا ، مغرورين كغرور هذين المسكينين بما هما فيه ، ونكون محقّرين وجميع أحوالنا في أعين قوم آخرين كاحتقار هذين المسكينين عن أحوالنا . فلما سمع الملك قول الوزير استكبره واستعظمه وقال له : وهل تعلم في الأرض اليوم مملكة أوسع من مملكتنا أو سلطانا أعزّ من سلطاننا ، أو بلدا أكثر نعما من بلدنا ، أو مروة « 1 » أحسن من مروتنا ؟ قال له الوزير : لا ! قال الملك : فمن هؤلاء القوم الذين زعمت أنه يصغر حالنا في أعينهم ، ويستحقرون أمرنا ؟ قال : قوم يقال لهم النساك . فقال الملك : أين بلدهم ، ومن أي ناس هم ؟ قال : هم من قبائل شتّى متفرّقين في المدن وفي الآفاق والبلاد يجمعهم دين واحد ومذهب واحد ورأي واحد . قال : صف لي مذهبهم وحالهم ؟ قال : هم أمناء اللّه في خلقه وخلفاء أنبيائه ، وأئمة لعباد ، وليس في الناس منهم إلّا نفر يسير ، لأنهم في الأنام كالملح في الطعام ، بسؤالهم ينزل اللّه القطر من السماء والبركات في الأرض ، وبدعائهم يرفع اللّه عن العباد القحط والغلاء والوباء ، ومنهم حفّاظ كتب اللّه وعلماء تأويلها . فقال الملك : ومن أنبياء اللّه ؟ فقال الوزير : هم طائفة من بني آدم اصطفاهم من عباده وقرّبهم وناجاهم وكشف لهم عن مكنون أسرار غيبه ، وجعلهم أمناء وحيه وسفراء بينه وبين خلقه ، أرسلهم من عالم الأرواح الذي في
--> ( 1 ) المرو : حجارة بيض براقة توري النار أو أصلب الحجارة ، ويكنى بها عن القوة والخير .