إخوان الصفاء

111

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

وعمي قلبه ، وهجره أحبّاؤه ، واشتد شوقه وشهوته إلى لذته ، فهكذا يكون حكم نفوس الكفار والأشرار والفسّاق والفجّار إذا فارقت أجسادها ، وسلبت عنها آلات الحواسّ ، وحيل بينها وبين شهواتها ومحبوباتها ، فعند ذلك تتمنى العود كما قال تعالى : « يا ليتنا نرد ولا نكذب » ولا سبيل لها إلى ذلك ولا هي أيضا تهتدي للطريق إلى ملكوت السماء فتعرج إلى هناك كما قال اللّه تعالى : « لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة » الآية . فعند ذلك تبقى هذه النفوس مجرّدة بذواتها بلا جسد ، وتكون هائمة في الجو دون فلك القمر ، وتطرح بها أمواج الطبيعة في بحر الهيولى إلى كل فج عميق ، وهي مشتعلة فيها بنيران شهواتها وتكون معذّبة بذاتها من وزر سيئاتها وسوء عاداتها إلى يوم القيامة كما ذكر اللّه تعالى : « النار يعرضون عليها غدوّا وعشيّا » إلى آخر الآية . فصل ثم اعلم يا أخي أن هذه النفوس التي تفارق أجسادها على هذه الأوصاف فإنها تحنّ إلى أبناء جنسها من النفوس المتجسّدة الشرّيرة التي على سننها وسيرتها في شهواتها ، كما يحنّ الأعمى البصير إلى أبناء جنسه إذا سمع أصواتهم . وتستروح هذه النفوس أيضا إلى وسوسة أبناء جنسها وحثالتهم « 1 » على فعل تلك العادات التي كانت فيها مما تقدّم من الشرور وطلب الشهوات ، لما تجد من ألم شهواتها المركوزة في ذاتها من سوء عاداتها القديمة فيما يستروح ، كمن قد عدمت شهوته للطعام والشراب ، وضعفت حرارة معدته فهو يشتهي ما لا يستمرئ ، وبه شبق وآلته لا تؤاتيها ، فهو عند ذلك يستروح بالنظر إلى الآكلين

--> ( 1 ) الحثالة : الرديء من كل شيء .