إخوان الصفاء
112
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
والشاربين والفاعلين من ألم ما يجد في نفسه من الشهوات المركوزة ، وعاداته الجارية . وإلى هذه النفوس ووسواسها أشار بقوله : « شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا » فشياطين الجن هي النفوس المفارقة الشريرة التي قد استجنّت « 1 » عن إدراك الحواس ، وشياطين الإنس هي النفوس المتجسدة المستأنسة بالأجساد . واعلم يا أخي أن هذه النفوس المتجسدة الشريرة إخوان لتلك النفوس المفارقة . فإذا فارقت أجسادها بعد الموت لحقت بتلك النفوس المتقدّمة التي قد خلت في القرون الماضية ، وحصلت في العذاب معها كما ذكر سبحانه : « ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار » إلى آخر الآية . وفي هذا المعنى آيات كثيرة في القرآن لمن يتدبرها ويتفكّر فيها . وإذ قد تبيّن ما الشياطين ووسواسها ، وكيف تنال النفوس من الآلام والأحزان بمجرّدها ممن وصفناه فيما تقدّم ، فكذلك أيضا أن تلك النفوس الملكية الناجية التي تقدّم ذكرها هي أيضا إذا فارقت أجسادها وحصلت لها تلك الكرامة التي وصفنا ، حنّت هي عند ذلك إلى مخلّفيها من الأولاد وقراباتها وتلامذتها وأهل دينها ومذهبها الصالحين منهم ، وعطفت عليها وتمنّت لها هي ما وجدت من الكرامات والراحة والسرور ، حتى إنها ربما نزلت لهم في منامهم ووعظتهم وأذكرتهم المعاد ، أو وصفت لهم ما صارت إليه ، وأمرتهم بلزوم طريق التقوى وعمل الخير وطلب النجاة ، وبشّرتهم فاستبشرت بمن يقدم عليها بعدها كما ذكر اللّه تعالى : « ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل اللّه أمواتا بل أحياء » إلى آخر الآية . وقال أيضا : « ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أموات بل أحياء » ولما تبيّن لأهل البصائر والمعارف أن تلك النفوس هذه حالها من الكرامات فقالوا من أجل هذا أمر ورخّص واضعو النواميس
--> ( 1 ) استجنت : استترت .