إخوان الصفاء
110
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
التصوّر لهذا الأمر الذي قلنا ووصفنا ، وإلّا فليس له طريق إلّا الإيمان بما هو مذكور في كتب الأنبياء من هذه المعاني التي وصفناها ، والتصديق بما يخبره به من هو أعلم منه بهذا الأمر وأعرف منه بهذه الأسرار . فصل وكما قلنا في أمر الملائكة ونفوس الأخيار فهكذا نقول في أمر الشياطين ونفوس الأشرار مثل ما قلناه في أمر الملائكة ونفوس الأخيار . واعلم يا أخي ان الإنسان إذا بلغ أشدّه وعقل الخطاب ، وجاءته الوصية من اللّه ، وسمع الأمر والنهي ، وفهم الوعد والوعيد والترهيب والترغيب والزّجر والتهديد ، ثم لم يأتمر ولم ينته ولم يتّعظ ولم ينزجر ، وأهمل أمر الدين ، وأعرض عن طلب الآخرة ، ونسي ذكر المعاد ، واشتغل بطلب الدنيا ، وحرص على جمع حطامها ، واشتدت رغبته فيها ، وأهمل أمر نفسه والنظر في مصالحها ، وجعل فكره اتّباع الشهوات وطلب اللذات من الأكل والشرب واللباس والمركب والمسكن المزخرف والتفاخر والتكاثر ، ومع هذه كلها تكون أعماله سيئة ، وأخلاقه رديئة ، وأفعاله فاسدة ، وسيرته جائرة ، وجهالته متراكمة ، فإن نفسه تكون شيطانة بالقوة . وإذا فارقت جسدها عند الموت على هذه الحالة كانت شيطانة بالفعل . وذلك أنها إذا فارقت جسدها بقيت مسلوبة آلات الحواسّ الخمس التي كانت تتناول بها الملاذّ الجسمانية ، وكانت تتمكن بها من الشهوات الجرمانية ، وصارت بعد ذلك ممنوعة عنها بعد ما اعتادتها بطول التدرّب فيها في سالف الأيام ، وماضي عمرها ، وانطبعت في همتها تلك الشهوات وصارت جبلة لها ، ثم : « حيل بينهم وبين ما يشتهون » . فعند ذلك يكون مثلها كمثل من سملت عيناه ، وصمّت أذناه ، وسدّ منخراه ، وأخرس لسانه ، وشلّت يداه ، وقطعت رجلاه ،