إخوان الصفاء
101
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
للإنسان عن الوصايا التي جاءت في الرسالة على ألسنة الأنبياء من الأمر والنهي والأحكام والحدود . أترى بأي عقل كان يمكن أن يعلم بأن الإنسان يبعث بعد الموت ويلقى ربه فيحاسبه ويجازيه لو لم يخبر في الرسالة ، أو بأي عقل كان يمكن أن يعلم حديث آدم وقصّة إبليس وخطاب الملائكة ، وما هو مذكور في القرآن في نحو من سبع وخمسين آية في عدّة سور . فصل اعلم أن اللّه ، جل ثناؤه ، لما خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وفضله على سائر الحيوان ، وملّكه عليها ، وسخّرها له ، وجعله خليفة في أرضه يتحكم على جميع ما فيها من المعادن والنبات والحيوان ، يتصرّف فيها كيف يشاء ، ويحكم عليها بما يريد ، كلّ ذلك بتمييز عقله وتمكّنه بكمال هيئته ، لم يجز في حكمة الباري تعالى أن يتركه بلا وصية يبيّن له فيها ما ينبغي له أن يفعل وما لا ينبغي أن يفعل . ولما أوصاه وأمره ونهاه لم يجز في حكمته أن يتركه دائما ولا يدعوه إلى حضرته ويسأله عما فعل ، كما ذكر ، جل ثناؤه ، فقال : « ووصّينا الإنسان بوالديه حسنا ، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم » الآية . وقال : « أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ؟ » الآية . وقال : « فمن كان يرجو لقاء اللّه فإن أجل اللّه لآت » ، وقال : « والذين كفروا بآيات اللّه ولقائه » . وآيات كثيرة في القرآن في هذا المعنى . ولكن هذه الطائفة المجادلة زعموا بأن معنى لقاء اللّه والرّجعة إليه هو لقاء ثوابه ، وإنما أنكروا رؤية اللّه لأنهم يظنّون ويزعمون الّا يرى إلّا الأجسام وأعراضها حسب ، واللّه تعالى ليس بجسم بالإجماع . فمن هذا الوجه والقياس أنكروا لقاء اللّه ورؤيته ، وليس الأمر كما ظنّوا أن لا يرى إلّا الأجسام وأعراضها حسب ، بل الأجسام غير مرئية بالحقيقة