إخوان الصفاء
7
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
عند مفارقة الأجساد لا تنتفع بجوهرها ولا تستقلّ بذاتها ، ولا يمكنها النهوض إلى الملإ الأعلى من ثقل أوزارها ، ولا يعرج بها إلى ملكوت السماء ، ولا تستأهل للدخول في زمر الملائكة ، وتغلّق دونها أبواب السماء ، ويفوتها ذلك الرّوح والريحان ، كما ذكر اللّه عز وجل : « لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ » لأنه لا يليق بها ذلك المكان الشريف ، ما دامت النفس مذمومة بهذه الصّفات ، غير مهذبة بالأخلاق الجميلة ، مقيّدة بأخلاق دنيّة وسيرة جائرة وعادات رديئة ، واعتقادات فاسدة ، وجهالات متراكمة ، وأعمال سيئة تبقى مربوطة محبوسة ، لأنه لا يليق بها ذلك المنزل النّوراني والعالم الروحاني ، كما لا يليق بالعميان والزّمنى والجهال والبكماء مجالس الملوك ومنادمتهم لنقصانهم ، فإذا فاتها ذلك المكان الشريف ، بقيت مقيّدة في الهواء تهوي دون السماء ، وتجرّها شياطينها التي تتعلق عليها من الشهوات الجسمانية والآراء الفاسدة والاهتمام بالأمور الهيولانية ، راجعة إلى قعر الأجسام المدلهمّة ، وأسر الطبيعة الجسدانية ، وتدفعها أمواج الشهوات المحرقة المؤدّية إلى أودية الهاوية ، حيث لا أنيس لها ، وتجرها الشياطين كما تجرّ العميان والزّمنى متجنّبين طرقات الناس ، كما ذكر اللّه تعالى عز وجل : « وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ » وقال : « وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ » وقال : « وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ » فيصيبها عند ذلك وهج الأثير تارة ، وبرد الزّمهرير تارة ، ووحشة الظلام والألم والعذاب إلى أن تقوم القيامة . يكون ذلك حالها كما ذكر اللّه عز وجل : « النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ » وقال : « وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ » كلّ ذلك لشدة شوقها إلى الجسمانية التي قد اعتادتها وقد فارقتها ، ولم تحصل لها اللذات الروحانيات ، وقد خسرت الدنيا والآخرة « ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ » .