إخوان الصفاء

8

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل اعلم أيها الأخ الكريم البار الرحيم ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن العلم والحكمة للنفس كتناول الطعام والشراب للجسد . وذلك أن الأجساد ترضع أولا ثم تتناول الطعام والشراب اللذين هما غذاء الأجساد ، لينشو صغيرها ، وينمو ناقصها ، ويسمن مهزولها ، ويقوى ضعيفها ، ويكتسي رونقها وكمالها ، ويبلغ إلى أقصى مدى غاياتها ومنتهى نهاياتها ومحاسنها باللبن ثم بالطعام والشراب اللذين هما غذاؤها ومادتها . فهكذا أيضا حالات الأنفس مماثلة لحالات الأجساد بالطعام والشراب الذي هو غذاؤها ومادتها في تصاريفها لاقتران ما بينهما في كون الحياة . وذلك أن الأنفس الجزئية تتصور بالعلوم جواهرها ، وتنمو بالحكمة ذواتها ، وتضيء بالمعارف صورها ، وتقوى بالرياضيات فكرها ، وتنير بالآداب خواطرها ، وتتسع لقبول الصور المجردة الروحانية عقولها ، وتعلو إلى اشتياق الأمور الخالدة همّتها ، ويشتد على البلوغ إلى أقصى مدّ غاياتها عزماتها من الترقي في المراتب العالية بالنظر في العلوم الإلهية ، والسّلوك في المذاهب الروحانية الربّانية ، والتعبّد في الأمور الشريفة من الحكمة على المذهب السّقراطي ، والتصوّف والتزهّد والترهّب على المنهج المسيحي ، والتعلق بالدين الحنيفي ، وهو التشبه بجوهرها الكلي ، ولحوقها بعالمها العلوي ، والتوصل إلى علتها الأولى ، والاعتصام بحبل عصمته ، وابتغاء مرضاته ، وطلب الزّلفى لديه بالاتحاد بأبناء جنسها في عالمها الروحاني ومحلّها النوراني في دارها الحيواني كما قال اللّه تعالى : « وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » . فإذا كانت الدار هي الحيوان ، فما ظنّك يا أخي بأهل الدار كيف تكون صفتهم ونعيمهم إلّا كما قال اللّه تعالى وتقدس : « فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ