إخوان الصفاء

63

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فإذا فكروا فيها تحيروا أيضا فيما يعتقدون من أمر الجنة ونعيمها وحالات أهلها ، فيشكّون أيضا في الجنة وما خبّرت به الأنبياء ، عليهم السلام ، من وصف الجنان ونعيم أهلها وحالاتهم ، وما يقصّر الوصف عنها . فإذا ذهب عليهم معرفتها وتغطّى عليهم علمها ، أنكروها بقلوبهم ، وإن كانوا لا يظهرونها بألسنتهم مخافة السيف والصّلب كما قال اللّه تعالى : « فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ » . فهذا هو حقيقة الكفر والضّلال والجهالة وعمى البصر ، لأن هؤلاء لا يؤمنون بظواهر الآيات والأخبار ، ولا يتفحصون عن حقائق أسرار كلام اللّه ، وأسرار الأخبار النبوية ، حين قالوا وبيّنوا . فجملة ذلك حقّ وصدق لا مردّ عليه حسب ما اقتضى العقل حقيقة ذلك ، كما لا يفهم هؤلاء الظّلمة الكفرة ، أعاذنا اللّه وإياك ، أيها الأخ ، من الكفر والنّفاق والفسق والعصيان ، ورزقك وإيانا الإيمان والغفران ، إنه رؤوف رحيم بالعباد . فصل ثم اعلم وتيقّن ولا تشكّ في أن جهنم هي عالم الكون والفساد الذي هو دون فلك القمر ، وأن الجنة هي عالم الأرواح وسعة السماوات ، وأن أهل جهنم هي النفوس المتعلّقة بأجساد الحيوانات التي تنالها الآلام والأوجاع دون سائر الموجودات التي في العالم . وأن أهل الجنة هي النفوس الملكيّة التي في عالم الأفلاك وسعة السماوات في روح وريحان ، البريئة من الأوجاع والآلام . والدليل على ذلك قوله تعالى : « انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ » . إشارة إلى النفوس المتّحدة بالأجسام ذات الطول والعرض والعمق التي دون فلك القمر . وذلك أن تلك النفوس لما جنت هناك الجناية التي ذكرت في قصة آدم ، عليه السلام : « قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ