إخوان الصفاء

53

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

الآلام . وأما الآلام التي تحس بها النفوس الحيوانية عند خروج المزاج عن الاعتدال من الأمر الطبيعي إلى أحد الطرفين من الزيادة والنّقصان بسبب من الأسباب ، فهي كثيرة لا يحصي عددها إلّا اللّه تعالى ، ولكن نذكر منها طرفا لتعلم ماهيّة الآلام واللذة وكيفيّة حدوثهما . فمن ذلك ماهية لذة الأكل والشرب . أقول : إن حرارة معدة الحيوانات ذوات المعدة والقوانص فيها بمنزلة نار السراج المشتعلة بالفتيلة ، فإذا فني الغذاء ، اشتعلت في رطوبات جرم المعدة فأفنتها ، واحترقت تلك العصبات المنسوجة هناك كما يشتعل نار السّراج في الفتيلة إذا فني الدّهن ، فعند ذلك تحسّ تلك النفوس بالألم ، فتنهض أجسادها في طلب الغذاء ، لتخلف على المعدة بدلا مما قد فني وعوضا عنه ، فإذا أوردت تلك الموادّ إلى المعدة ، واشتعلت فيها تلك الحرارة للنّضج ، فيسكن ذلك اللهيب من جرم المعدة ، ويجد الحيوان عند ذلك راحة ولذة ، وبحسب شدة لهيب تلك الحرارة وسكونها تكون لذة الأكل . وهكذا أيضا حكم العطش من لهب حرارة الكبد ، فلا يزال الحيوان يجد لذة الأكل والشرب إلى أن تستوفي الطبيعة حاجتها ، فعند ذلك تزول تلك اللذة وتسكن ، حتى إنه إن زيد على مقدار الحاجة ، صارت اللذة ألما ، فيمسك عند ذلك الحيوان عن الأكل والشرب إلى أن يستمرئ ما أكل ويهضم وتمرّ إلى أطراف الجسد تلك الموادّ لتخلف ما تحلّل من هناك ، لأن الحيوان في دائم الأوقات في الذوبان والسّيلان لا يقف لحظة ولا طرفة عين . يعلم حقيقة ما قلنا وصحة ما وصفنا أهل البصائر من الأطباء والطبيعيين . وأما اللذة التي يجدها الحيوان من الجماع فإن تلك المادة التي تسمّى المنيّ وهي زبدة الدم إذا كثرت في بدن الحيوان ، واجتمعت في المواضع المعدّة لها ، وجدت الطبيعة عند ذلك ثقلا وتمددا ، كما تجد عند اجتماع البول في المثانة والغائط في المعى ، فتطلقها الإرادة عند ذلك للبروز ، فهكذا حكم