إخوان الصفاء
54
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
المنيّ ، وقد جعلت الحكمة الإلهية والعناية الربانية شهوة مركوزة في جبلة الذّكران للاجتماع مع الإناث من أبناء جنسها ، وكذلك في طباع الإناث الاجتماع مع الذّكران ليكون منهما التناسل والنّتاج ليبقى النسل في بقاء الأشخاص والصورة في الهيولى إذا كانت الأشخاص لا بقاء لها دائما في عالم الكون والفساد لعلل يطول شرحها . وقد ذكرنا طرفا منها في رسالة البعث والقيامة ، وطرفا في رسالة العلل والمعلولات . فإذا خرجت تلك النّطفة من بدن الحيوان الفحل خفّ عن الطبيعة ما كان يجده من الثّقل ووجد الحيوان عند ذلك راحة ولذة . وأما اللذة والراحة التي يجدها الحيوان عند السكون والهدوء والنوم فهي من أجل أن الحركة التي تسخّن مزاج أبدانها ، وتجفّف رطوبات العضلات والأعصاب المحرّكة للأعضاء ، فتضعف عند ذلك عليها الحركة ، فإذا سكنت وتمددت وهدأت ، بردت أبدانها وتولدت من السكون برودة ، ومن البرودة رطوبة ، فلانت الأعصاب والأوتار المحرّكة لتلك الأعصاب والعضلات ، وسهلت الحركة ، وهكذا أيضا حكمها عند وضع أحمالها وأثقالها تجد راحة ، لأن الحركة المفرطة والثّقل يسخّنان المزاج ويخرجانه من الاعتدال . وأما اللذة والراحة التي يجدها الحيوان عند الحر والبرد فهو من أجل أن الحر إذا دام عليها ، سخّن مزاج أبدانها ، وأخرجها من الاعتدال ، فيؤلمها ذلك ، فعند ذلك يطلب ما يضادّها من برد الظلال والأفياء والمواضع الباردة ، فإذا دامت هناك زمانا طويلا ، أفرطت البرودة في أبدانها ، وخرجت من الاعتدال إلى الجانب الآخر ، فعند ذلك تطلب الدفء والشمس والنيران وما يضاد البرودة . فقد تبين بما ذكرنا أن الحيوانات في دائم الأوقات تتفرّج وتستريح تارة من ألم الحرارة إلى ضده ، وتارة من ضده إليه ؛ وتبين أيضا أن اللذات