إخوان الصفاء
50
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فتكون كأنها هودي « 1 » يعبد صنما كما ذكر اللّه تعالى : « أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ » . ومن وجه آخر فنقول : الجسد كأنه كافر محجوب عن اللّه تعالى ، لا يعرفه ، ولا يدري من خلقه ورزقه . ومن وجه آخر ، كأنه صاحب بدعة يدعو إلى هواه ، ويريد أن تكون الأمور بمراده . ومن وجه آخر ، كأنه جاهل عجول لا ينظر في العواقب ، وأيضا كأنه عدو للنفس يظهر الصداقة ويكتم العداوة . وأيضا كأنه شيطان من كثرة الوساوس . وأيضا كأنه إبليس يدعو إلى العداوة . وأيضا كأنه ميت على جنازة حملتها النفس على كتفها لا تستريح منه ، يا ويلتها ، حتى إذا دفنته في التراب . وأيضا كأنه غيم بين أبصار الناظرين ونور الشمس ، لأن ظلمات أخلاط الجسد تمنع عن النظر إلى نور العقل ، وهو يمطر الآمال وينسي الآجال . وأيضا مثل هذه النفس الجزئية ، مع شرفها وشرف جوهرها ، وما هي عليه من غربتها في هذا العالم الذي تحت الكون والفساد ، وما ابتليت به من آفات هذا الجسد وفساد هيولاه ، كمثل رجل حكيم خبير في غربة قد ابتلي بعشق امرأة رعناء فاجرة ، جاهلة سيئة الخلق رديئة الطبع ، فهي دائم الأوقات تطالبه المأكولات الطيبة ، والمشروبات اللذيذة ، واللباس الفاخر ، والمسكن المزخرف ، والشهوات الرديئة ؛ وإن ذلك الحكيم من شدة محنته بمحبتها وعظم بلائه بصحبتها قد صرف كل همته إلى إصلاح أمرها ، وأكثر عنايته بتدبير شأنها ، حتى نسي أمر نفسه ، وصلاح شأنه ، وبلدته التي خرج منها ، وأقرباءه الذين نشأ معهم ، ونعمته التي كان فيها بدءا ، فكأنه قد قرن بشيطان مريد وعدو مبين . فهذا الشيطان هو الذي قال اللّه تعالى :
--> ( 1 ) هودي : يهودي .