إخوان الصفاء

51

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

« يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ » فهو إذا إبليس الذي أخرج آدم من الجنة . ثم اعلم أن جوهر النفس جوهر سماوي ، وعالمها عالم روحاني ، وهي حية بذاتها ، غير محتاجة إلى الأكل والشرب واللباس والمسكن وما شاكل ذلك مما يحتاج إليه الجسد في قوام وجوده ومادة بقائه ، وإن كل ما يحتاج إليه الإنسان من أعراض هذه الدنيا فإنما هو من أجل هذا الجسد المستحيل الفاسد ، ولإصلاح شأنه ، وقوام وجوده ، وجر المنفعة إليه ، ودفع المضرّة عنه ، وهو لا يثبت على حالة واحدة طرفة عين . ثم اعلم أن النفس ما دامت مع هذا الجسد إلى الوقت المعلوم فإنها متعوبة بكثرة غمومها لإصلاح أمر هذا الجسد ، شقيّة بشدة عنايتها فيما تتكلف من الأعمال الشاقّة ، والصنائع المتعبة لاكتساب المال والمتاع والأثاث ، وما يحتاج اليه الإنسان في طول حياته الدنيا . ثم اعلم أن النفس ما دامت مربوطة بالجسد ، لا راحة لها دون مفارقتها هذا الجسد ، كما أن ذلك الرجل الحكيم المبتلى بعشق تلك المرأة الفاجرة الرعناء لا راحة له مما قد ابتلي به إلّا بمفارقتها والتسلي عن حبها وعشقها ، فإذا الموت حكمة ورحمة ونعمة لنفوس الأخيار بعد بوار الأجساد ، فما الموت إلّا نعمة وسرور ، وما الحياة الدنيا إلّا متاع الغرور . الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن ، إن ربنا لغفور شكور « 1 » ، وفقك اللّه وإيانا وجميع إخواننا للسداد إنه رحيم رؤوف بالعباد . تمت الرسالة الخامسة عشرة في ماهية الحياة والموت ، ويتلوها رسالة اللذات .

--> ( 1 ) الشكور : من أسماء اللّه تعالى ، وهو الذي يزكو عنده القليل من أعمال العباد يضاعف لهم الجزاء . فشكره لعباده مغفرته لهم .