إخوان الصفاء
49
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل في عيوب الجسد ومثالبه فاعلم يا أخي أنّا قد بيّنّا في رسالة تركيب الجسد ، ورسالة الإنسان عالم صغير ، ورسالة الحاسّ والمحسوس ما تستفيد النفس بكونها معه من الحكمة والعلوم والفوائد ، وما ترتاض من اتخاذ الصنائع والسياسات والتدبير والربوبية والتشبّه بالإله بحسب الطاقة الانسانية ، إذا أخذت النفس طريق ذات اليمين ، لأن هذا الجسد لهذه النفس صراط ممدود بين الدنيا والآخرة . فإذا عبرت النفس على هذا الصّراط وسلمت من آفاته ، سهل عليها سائر ما بعد ذلك . فمن عيوب هذا الجسد كون النفس كمحبوس في كنيف ، لأن الكنيف بالحقيقة هو هذا الجسد ، فهو ينبوع لكلّ قاذورات من وسخ وبول وغائط ومخاط وبصاق ودم وصديد ولعاب وعرق نتن وبخر وصنان . وإن كل ما يكون في الكنيف من القاذورات فمنه يخرج وفيه يتكون ، فأوله نطفة قذرة ، وآخره جيفة منتنة ، وما بين الحالتين مملوء عذرة « 1 » ، والنفس على دوام الأوقات في تنظيفه وغسله وتنقيته ومداواته وستر عوراته وحفظه من آفات الحر والبرد والجوع والعطش والصدمة والضربة والآفات العارضة التي لا يحصى عددها . وبالجملة ، فليس في العالم نتن ولا نجاسة ولا قاذورة ولا جيفة إلّا منه . ومن وجه آخر ، فنقول مثل النفس مع الجسد كعابد صنم يعبده بالليل والنهار ، وذلك أن النفس إذا تركت تعلّم العلم وعبادة اللّه ، عز وجل ، والنظر في أمور معادها بعد فراق الجسد ، والاستعداد له والتزوّد للرّحلة من الدنيا إلى الآخرة ، واشتغلت بما يكون فيه صلاح الجسد من الأكل والشرب واللباس والمسكن والمركب وما شاكلها من أنواع زينة الدنيا ،
--> ( 1 ) العذرة : الغائط .