إخوان الصفاء
36
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل في غرض رباط النفس الكلية بالجسم الكلي حسب ما تبين هاهنا فنقول : إنه لما كانت الموجودات كلّها مرتبة بعضها تحت بعض ، متعلّقة في الوجود بالعلة الأولى الذي هو الباري تعالى كتعلّق العدد وترتيبه عن الواحد الذي قبل الاثنين ، كما بيّنّا في رسالة المبادي العقلية ، وكانت النفس أحد الموجودات ، وكانت مرتبتها دون العقل وفوق الجسم المطلق ، وكان الجسم فارغا من الأشكال والصور والنقوش والحياة ، قابلا لها بالطبع ؛ وكانت النفس حيّة بالذات ، علّامة بالقوّة ، فعّالة بالطبع ، ولم يكن من الحكمة الإلهية والعناية الربّانية أن تترك النفس فارغة غير مشغولة بضرب من الحكمة ، وأن يكون الجسم ، مع قبوله للتمام ، عاطلا ناقص الحال ؛ ولم يكن للنفس أن تتحكم على الموجودات التي فوق رتبتها الذي هو العقل الفعال ، عطفت النفس بواجب الحكمة على الجسم المطلق ، إذ كان دونها في الرتبة ، فتحكمت فيه بالتحريك له والشكل والتصاوير والنقوش والأصباغ ، ليتمّ الجسم بذلك ، وتكمل النفس أيضا بإخراج ما في قوّتها من الحكمة والصنائع إلى الفعل والظهور والإظهار ، تشبّها بحكمة الباري تعالى ، إذ لم يقتصر على علمه بالكائنات قبل كونها حتى أخرجها إلى الوجود بعد العدم ، ليظهر الكلّ للجزء ، ويشاهد الجزء الكلّ ويخرج ما في القوّة من الحكمة والصنائع إلى الفعل والظهور . فمن أجل هذا ربطت النفس الكلية بالجسم الكلي المطلق الذي هو جملة العالم من أعلى فلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض ، وهي سارية في جميع أفلاكه وأركانه ومولّداته ، ومدبّرة لها ومحركة بإذن اللّه تعالى وتقدّس .