إخوان الصفاء

37

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل في سريان النفس الكلية في الجسم الكلي واعلم يا أخي ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، أنه إذا فاضت قوى النفس الكلية الفلكية في الجسم الكلّي الذي هو جملة العالم الجسماني ، ابتدأت من أعلى فلك المحيط متوجّهة نحو مركز العالم ، وسرت في الأفلاك والكواكب والأركان الأربعة والأوقات الزمانية أولا فأولا ، حتى إذا بلغت إلى منتهى مركز العالم ، اجتمعت كلّها هناك ، ويكون ذلك سببا لكون الأجسام الجزئية الكائنة الفاسدة التي دون فلك القمر ، وهي الحيوانات والنبات والمعادن ، لأنها إذا علت إلى أقصى مدى غاياتها الذي هو الغرض الأقصى بطول الزمان ، وعطفت عند ذلك راجعة ، أعني تلك القوى ، نحو المحيط ، فيكون سبب بعث الأنفس الجزئية الإنسانية الكلية من الأجسام الفاضلة ، وهذا قول مجمل يحتاج أن نشرحه ونبيّن أيضا أن الموت حكمة . واعلم أن الحيوانات كلّها تكره الموت وتحب الحياة ، ولكن من أجل أن كثيرا من العقلاء يقولون إن الموت حق ، وفي ذلك حكمة ولا يدرون ما تلك الحكمة ، ويحتجّون بقوله تعالى : « الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا » ولا يدرون معنى قوله تعالى وما المراد في ذلك . ثم إنهم مع اقرارهم بذلك كلّهم يحبون الحياة ويكرهون الموت ، ثم يذمون الحياة عند تنغيص العيش ويتمنون الموت عند الشدائد ، احتجنا أن نبين ما الموت وما الحياة ، ولم يكره الموت وتحبّ الحياة ، وما الحكمة في خلقتهما .