إخوان الصفاء
35
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
صار علم الإنسان بجوهر النفس وأحوالها أشرف من علمه بجوهر الجسم وأحواله . وقد بيّنّا ماهيّة الجسم وصفاته المخصوصة به في رسالة الهيولى ورسالة الحاسّ والمحسوس ، ونريد أن نتكلم هاهنا في علم النفس وأحوالها فنقول : لما كان علم الإنسان ومباحثه بالمعلومات من تسعة أوجه ، كما بيّنّا في رسالة الصنائع العلمية ، وهي : هل هو ، وما هو ، وكيف هو ، وكم هو ، وأين هو ، ومتى هو ، ولم هو ، ومن هو ، كما بيّنّا ذلك في رسالة قاطيغورياس ثم نريد أن نذكر من هذه المباحث في أمر النفس الجزئية الإنسانية طرفا فنقول : ما هي ، وكيف هي ، وكم هي ، مع هذا الجسد ، وأين كانت قبل رباطها ، وكيف تكون حالها إذا فارقته ، ولم ربطت بالجسم ، وما الغرض في ذلك ؟ واعلم أنه قد بيّنّا ماهيّتها في رسالة العقل والمعقولات ، وكميّتها في رسالة العالم إنسان كبير ، وأين كانت النفس الجزئية قبل رباطها بالأجساد في رسالة مسقط النّطفة ، وأين تكون إذا فارقت الجسد في رسالة البعث والقيامة ، ونريد أن نذكر في هذه الرسالة الملقّبة بحكمة الموت كيف كونها مع الجسد ، ولم ربطت بالجسم ولم تفارقه ؟ ولما كانت الأنفس الجزئية قوى منبثّة من النفس الكلية في الأجسام الجزئية التي تحت فلك القمر ، احتجنا أن نذكر أولا النفس الكلية التي هي نفس العالم بأسره ، ولم ربطت بالجسم الكلي الذي هو جملة العالم من أقصى فلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض بعون اللّه تعالى .