إخوان الصفاء
19
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
الفاضلة العالمة قال : « أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ، خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » إذ النار خير من التراب ، لأن النار جسم مضيء متحرك يطلب العلو ، والتراب جسم مظلم ساكن يطلب السّفل . وكان هذا منه قياسا خطأ ، لأن السجود لم يكن للجسد الترابي ، بل لتلك الروح الشريفة ، لأن الإنسان إنما يأكل ويشرب وينام من أجل الجسد ، ويتحرك ويحس ويتكلم ويعلم بالنفس الشريفة التي من أمر اللّه . ثم اعلم أن العلم غذاء للنفس وحياة لها ، كما أن الطعام وجميع المتناولات غذاء وشراب للجسد وحياة له . ثم اعلم أن العلم بالأشياء ، بعضه طبيعي غريزي مثل ما يدرك بالحواس ، ومثل ما في أوائل العقول ؛ وبعضه تعليمي مكتسب مثل الرياضات والآداب ، وما يأتي به الناموس . فمن الناس من لا يرغب في التعلم والتأدب ، بل يتكل على ما تدركه الحواس أو ما في قرائح العقول . ومنهم من يرغب في التعلم والتأدب ، لكن من الناس من لا يقبل من العلم إلّا ما يتصوّر في نفسه أو يقوم عليه برهان هندسي أو منطقي . ومنهم طائفة لا تقبل إلّا ما يدل عليه قول الشاعر ؛ وطائفة لا تقبل إلا برواية وخبر . ومنهم طائفة لا تقبل إلّا بالاحتجاج والجدل . ومنهم من يرضى بالتقليد ويقنع بذلك . وينبغي لنا أن نبين مبلغ قوة الإنسان في إدراك المعلومات والمحسوسات إلى أي نهاية ، وهي جهده وطاقته في معرفة حقائق الأشياء ، وإلى أي حد ينتهي . لأن في الناس طائفة من العقلاء لما تفكروا في حدوث العالم ، وبحثوا عن العلة الموجبة لكونه ، بعد أن لم يكن ، لم يعرفوها ولم يتصوروا في عقولهم بدء كون العالم ، فدعاهم جهلهم عند ذلك إلى القول بقدم العالم . ومنهم من لاح له شيء غير ما لاح للآخر ، فاختلفت أقاويلهم في حدوث العالم والعلة الموجبة لكونه ، بحسب ما لاح لواحد واحد . ونحن قد بيّنّا في رسالة لنا في المبادي ما تلك العلة ، فاعرفها من هناك .