إخوان الصفاء
20
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل ثم اعلم أن من تفكر في كيفية حدوث العالم وعلة حدوثه بعد أن لم يكن ، ويريد أن يعرفها أو يتصور كيف كان ذلك ، وهو جاهل لا يعرف كيفية تركيب جسده ، ولا يتفكر في بنية هيكله ، ولا يدري كيف كان بدء كون ذاته ، ولا يعلم ماهيّة جوهر نفسه ، ولا كيفية ارتباطها بجسده ، ولا لأي علة ربطت به بعد أن لم تكن مربوطة ، ولا لأي علة تفارق الجسد في آخر العمر عند انقضاء الأجل ، ولا تدري أين تذهب إذا فارقت الجسد ، ولا من أين جاءت قبل ذلك ؛ هو يريد أن يعرف بدء كون العالم وكيفية حدوثه ، وما تلك العلة الموجبة لكونه مع جهله بما ذكرنا من هذه الأشياء التي هي أقرب إلى فهمه ، وأسهل لتعليمه ، وأمكن لتصوّره ، فمثله كمثل رجل لا يطيق حمل مائة رطل ، فهو يتكلف حمل ألف رطل ، أو كمثل من لا يقدر على المشي ، وهو يريد أن يعدو ، أو من لا يبصر يده إذا أخرجها ، وهو يريد أن يرى ما وراء الحجب . ثم اعلم أنه إذا اعتبر أحوال الإنسان ومجاري أموره من ذلك ، وحال جثته ، فإنه متوسط بين الصّغر والكبر ، فلا صغير جدّا ولا كبير مفرطا ، فهكذا حال بقائه فهو لا طويل العمر في الدنيا ، ولا قصير المدة فيها . وهكذا حال وجوده ، فلا هو متقدم الوجود على الأشياء ، ولا متأخر عنها ، لأن من الموجودات ما هو أقدم وجودا منه كالأركان والأفلاك ، ومنها ما هو متأخر الوجود عنه كالموجودات الصناعية . وهكذا حال مكانه متوسّط ، فلا هو من الطرف الأقصى من العالم ، ولا هو في المركز سواء . وهكذا حال رتبته في الشرف والدّماثة متوسّط ، لأن من الموجودات ما هو أشرف منه كالملائكة المقرّبين ، ومنها ما هو أدون منه كالبهائم . وهكذا حاله في القوة والضعف متوسط ، فلا هو قوي متين ، ولا ضعيف