إخوان الصفاء
9
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
والنحاس أصفى من الحديد وأشرف منه ، والحديد أشرف من الأسرب « 1 » ، وكلها أحجار معدنية أصلها كلها الزّئبق والكبريت ؛ والزّئبق والكبريت أصلهما التّراب والماء والهواء والنار ، فهيولاها واحد ، وصورها مختلفة ، وصفاؤها وشرفها بحسب تركيبها واختلاف صورها ، وكذلك حكم الحيوان والنبات ، فإنها بالهيولى واحد ، وإن اختلافها وشرف بعضها على بعض بحسب اختلاف صورها . فصل في الأجسام الجزئية اعلم أن الأجسام الجزئية منها ما يقبل صورة الكلّي إذا صوّر فيه ، فيصير بقبوله تلك الصورة أفضل وأشرف من سائر الأجسام الجزئية السّاذجة ، والمثال في ذلك قطعة من النّحاس إذا صوّر فيها الفلك ، مثل الأصطرلاب وذات الحلق والكرة المصوّرة ، فإنها عند ذلك تكون أشرف وأفضل وأحسن من أن تكون ساذجة ، وكذلك كلّ جسم قبل صورة ما ، فإنه عند ذلك يكون أفضل وأشرف وأحسن من كونه ساذجا ، فهكذا الحكم في جواهر النفوس ، وذلك أنها كلّها جنس واحد وجوهر واحد ، وأن اختلافها بحسب معارفها وأخلاقها وآرائها وأعمالها ، لأن هذه الحالات هي صور في جواهرها وهي كالهيولى ، وكذلك النفس الجزئيّة إذا قبلت علما من العلوم تكون أفضل وأشرف من سائر النفوس التي هي أبناء جنسها . ثم اعلم أن العلوم في النفس ليست بشيء سوى صور المعلومات انتزعتها النفس وصوّرتها في فكرها ، فيكون عند ذلك جوهر النفس لصور تلك المعلومات كالهيولى ، وهي فيها كالصورة .
--> ( 1 ) الاسرب : الرصاص الأسود .