إخوان الصفاء

10

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

واعلم أن من الأنفس الجزئية ما يتصوّر بصورة النفس الكليّة ، ومنها ما يقاربها وذلك بحسب قبولها ما يفيض عليها من العلوم والمعارف والأخلاق الجميلة ، وكلما كانت أكثر قبولا كانت أفضل وأشرف من سائر أبناء جنسها ، مثل نفوس الأنبياء ، عليهم السلام ، فإنها لما قبلت بصفاء جوهرها الفيض من النفس الكلّية أتت بالكتب الإلهية التي فيها عجائب العلوم الخفيّة ، والمعاني اللطيفة ، والأسرار المكنونة التي لا يمسّها إلّا المطهّرون من أدناس الطبيعة ، وما وضعت من الشرائع العلمية النافعة للكلّ ، والسّنن العادلة الزكيّة ، فاستنقذوا بها نفوسا كثيرة غريقة في بحر الهيولى ، وأسر الطبيعة ؛ ومثل نفوس المحقّقين من الحكماء التي استنبطت علوما كثيرة حقيقية ، واستخرجت صنائع بديعة ، وبنت هياكل حكيمة ، ونصبت طلّسمات عجيبة ؛ ومثل نفوس الكهنة المخبّرة بالكائنات قبل كونها بدلائل فلكية وعلامات زجرية « 1 » ، وإلى مثل هذه النفوس أشاروا بقولهم : الفلسفة هي التشبه بالإله بحسب الطاقة الإنسانية ، وإليها أشاروا بقولهم : من خاصيّة العقل المنفعل أن يقبل الجزء منه صورة الكلّ ؛ وإليها أشار القائل بقوله : كلّ الهياكل صورة مذمومة ، * إلّا التي في صورة الأفلاك وأتمّها بين الذّوات لأنها * قبلت تماما صورة الإدراك كم بين نفس شامخ في ذروة ، * أو ما يكون حجارة الحكّاك « 2 » وإليها أشار القائل بقوله : وما كان إلّا كوكبا كان بيننا * فودّعنا ، جادت معاهده رهم « 3 »

--> ( 1 ) زجرية : أي تكهنية تنذر بوقوع الشيء . ( 2 ) الحكاك : الذي يحك الذهب وغيره من الحجارة الكريمة ليختبره . ( 3 ) معاهده : منازله . الرهم : جمع الأرهم ، أي الأخصب ، والمراد بها الغمام الذي يسبب الخصب . والرهمة ، بكسر الراء : المطر الضعيف الدائم ، تجمع على رهم كعنب ، وعلى رهام كجبال .