إخوان الصفاء

8

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

وعلى هذا المثال يعتبر حال الصورة عند الهيولى ، وحال الهيولى عند الصورة ، إلى أن تنتهي الأشياء كلّها إلى الهيولى الأولى التي هي صورة الوجود حسب ، لا كيفية فيها ولا كمية ، وهي جوهر بسيط لا تركيب فيه بوجه من الوجوه ، قابل للصور كلّها ولكن على الترتيب كما بيّنا لا أيّ صورة كانت ، تأخرت أو تقدمت ، بل الأول فالأول ؛ مثال ذلك أن القطن لا يقبل صورة الثوب إلا بعد قبوله صورة الغزل ، والغزل لا يقبل صورة القميص إلا بعد قبوله صورة الثوب . وكذلك الحبّ لا يقبل صورة العجين إلا بعد قبوله صورة الدقيق ، والدقيق لا يقبل صورة الخبز إلا بعد قبوله صورة العجين ، وعلى هذا المثال يكون قبول الهيولى للصور واحدة بعد أخرى . ثم اعلم أن الأجسام كلّها جنس واحد من جوهر واحد وهيولى واحدة ، وإنما اختلافها بحسب اختلاف صورها ، ومن أجلها صار بعضها أصفى من بعض وأشرف ، وذلك أن عالم الأفلاك أصفى وأشرف من عالم الأركان ، وعالم الأركان بعضها أشرف من بعض ، وذلك أن النار أصفى من الهواء ، وأشرف منه ، والهواء أصفى من الماء وألطف منه ، والماء أصفى من التراب وأشرف منه ، وكلّها أجسام طبيعية يستحيل بعضها إلى بعض ؛ وذلك أن النار إذا أطفئت صارت هواء ، والهواء إذا غلظ صار ماء ، والماء إذا غلظ وجمد صار أرضا ، وليس للنار أن تلطف ، أو للأرض أن تغلظ فتصير شيئا آخر ، بل إذا تكوّنت أجزاؤها يكون منها الموّلدات ، أعني المعادن والنبات والحيوان ، لكن يكون بعضها وأشرف تركيبا من بعض ، وذلك أن الياقوت أصفى من البلّور وأشرف منه ، وأن البلّور أصفى من الزّجاج وأشرف منه ، والزّجاج أصفى من الخزف وأشرف منه ، وكذلك الذّهب أشرف من الفضة وأصفى منها ، والفضة أصفى من النّحاس وأشرف منه ،