إخوان الصفاء

58

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

ماء ، وتارة نارا ؛ وكذلك النار ، وذلك أن النار ، إذا أطفئت وخمدت صارت هواء ، والهواء إذا غلظ صار ماء ، والماء إذا جمد صار أرضا ، وعكس ذلك أن الأرض إذا تحلّلت ولطفت صارت ماء ، والماء إذا ذاب صار هواء ، والهواء إذا حمي صار نارا ، وليس للنار أن تلطف فتصير شيئا آخر ، ولا للأرض أن تغلظ فتصير شيئا آخر . ولكن إذا اختلطت أجزاء هذه الأركان بعضها ببعض ، كان منها المتولّدات الكائنات الفاسدات التي هي المعادن والنبات والحيوان . وأصل هذه كلّها البخارات والعصارات إذا امتزج بعضها ببعضها ، فالبخار ما يصعد من لطائف البحار والأنهار والآجام في الهواء من إسخان الشمس والكواكب لها بمطارح شعاعاتها على سطوح البحار والأنهار والآجام . والعصارات مما ينجلب في باطن الأرض من مياه الأمطار ، وتخلط بالأجزاء الأرضية ، وتغلظ ، فتنضجها الحرارة المستبطنة في عمق الأرض . واعلم يا أخي بأن أول ما يستحيل هي الأربعة الأركان إلى هذين الخليطين ، أعني البخار والعصارات ، ويكون هذان الخليطان هيولى ومادّة لسائر الكائنات الفاسدات التي تحت فلك القمر ، وذلك أن الشمس والكواكب إذا سخّنت المياه بإشراقها على سطح الأرض والبحار والآجام والأنهار ، قلّلت المياه ، ولطّفت أجزاء الأرض ، وصارت بخارا ودخانا . والبخار والدّخان يصيران سحابا ، والسحاب يصير أمطارا ، والأمطار إذا بلّلت التراب واختلطت الأجزاء الأرضيّة بالأجزاء المائيّة ، تتكوّن منها العصارات ، والعصارات تكون مادّة وهيولى للكائنات التي هي المعادن والنبات والحيوان . وقد أفردنا لكل نوع منها رسالة مفردة ، وبيّنّا فيها كيفيّة تكوّنها منها وتركيبها ونشوئها ونمائها وبلوغها إلى أقصى مدى غاياتها ، ثم كيفيّة فسادها وبلاها واستحالتها وبدئها ورجوعها إلى هذه الأركان الأربعة التي تتكوّن منها . واعلم يا أخي بأن الكون والفساد هما ضدّان لا يجتمعان في شيء واحد