إخوان الصفاء
46
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل في أن الفلك طبيعة خامسة واعلم يا أخي أن معنى قول الحكماء إن الفلك طبيعة خامسة إنما يعنون أن الأجسام الفلكية لا تقبل الكون والفساد والتغيّر والاستحالة والزيادة والنّقصان ، كما تقبلها الأجسام التي تحت فلك القمر ، وأن حركاتها كلّها دوريّة . واعلم أن للأجسام صفات كثيرة ، فمنها ما تشترك الأجسام كلّها فيها ، ومنها ما يختصّ ببعضها دون بعض ، فالصفات التي تشترك فيها الأجسام كلّها الطول والعرض والعمق فحسب . واعلم أن الصفات إنما هي صور تحصل في الهيولى ، فيكون الهيولى بها موصوفا ؛ فمن هذه الصورة التي تسمّى الصفات مهايا « 1 » ذاتيّة للجسم مقوّمة لوجدانه ، كالطول والعرض والعمق ، لأنها متى بطلت عن الجسم بطل وجدان الجسم ، ومن الصورة ما هي متمّمة للجسم مبلغة إلى أفضل حالاته ، وهذه الصورة تختصّ ببعض الأجسام دون بعض ، وربما يشترك فيها عدّة أجسام . فمن الصّور المتمّمة ما يشترك فيها الأجسام الفلكية والطبيعية ، وهي الشّكل والحركة والنور والشّفافة واليبس الذي هو تماسك الأجزاء . ومما يختص بالأجسام الطبيعية الحرارة والبرودة والثّقل والتغيّر والخفّة والاستحالة والحركة على الاستقامة وما شاكلها . والذي يختصّ بالأجسام الفلكية سلب هذه الصّفات كلّها ، فمن أجل هذا قيل إنها طبيعة خامسة ، لأنها ليست حارة ولا باردة ولا رطبة ولا ثقيلة ولا خفيفة ، ولا يستحيل بعضها إلى بعض فيكون منها شيء آخر ، ولا يزيد في مقاديرها ولا ينقص ، لأن الباري ، جلّ ثناؤه ، أبدعها كلّها واخترعها تامّة كاملة ، فهي باقية بحالاتها إلى وقت ما يريد باريها ، عزّ وجل ، أن يفنيها كيف شاء ، كما
--> ( 1 ) مهايا : جمع ماهية ، ووجهها ان تجمع على ماهيات .