إخوان الصفاء

47

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

أبدعها وصوّرها واخترعها وركّبها وحرّكها ودبّرها ، فتبارك اللّه أحسن الخالقين . فصل في إبطال قول المتوهمين غير الحق واعلم يا أخي أن كثيرا من أهل العلم ظنّوا أن معنى قول الحكماء إن الفلك طبيعة خامسة أنه مخالف لهذه الأجسام الطبيعية في كلّ الصفات ، وليس الأمر كما ظنوا ، لأن العيان يكذّبهم ، وذلك أن القمر أحد الأجسام الفلكية ، وقد يرى فيه اختلاف قبول النور والظّلمة ، كما يرى في الأجسام الأرضيّة ، وله ظلّ كظلالها ، وهو غير مشفّ مثل الأرض ، والأفلاك كلّها تشارك الهواء والماء والبلّور والزّجاج في الإشفاف ، والشّمس والكواكب تشارك النار في النور ، وكلّها يشارك الأرض في اليبس . فقد بان بهذا أنهم لم يريدوا بقولهم طبيعة خامسة إلّا الحركة الدوريّة ، وأنها لا تقبل الكون والفساد والزيادة والنّقصان ، كما تقبله الأجسام الطبيعية . فصل في أنها ليست ثقيلة ولا خفيفة واعلم يا أخي أنما قيل إن الأجسام الفلكية ليست خفيفة ولا ثقيلة ، لأنها ملازمة لأماكنها الخاصّة بها ، وذلك أن الباري ، عزّ وجل ، لما خلق الجسم المطلق وفصل أبعاضه بالصور المتمّمة ، ورتّبها محيطات بعضها ببعض ، كما بيّنا أولا ، جعل لكل واحد منها مكانا هو أليق الأماكن به ، وكلّ جسم في مكانه الخاص ليس بثقيل ولا خفيف ، لأن الثّقل والخفّة يعرضان لبعض الأجسام بسبب خروجها من أماكنها الخاصّة بها إلى مكان غريب . واعلم يا أخي أن الأرض في مكانها ، وهو مركز العالم ، ليست بثقيلة ،