إخوان الصفاء

444

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فإنها ليس من الضرورة أن تصدق على جميع النوع ، ولا كلّ صفة نوعيّة تصدق على جميع الجنس ، فلا تستعملها في البرهان ، ولا تحكم بها حكما حتما ، فإنك لست منها على حكم يقين . فقد عرفت واستبان لك أن الحكماء والمتفلسفين ما وضعوا القياس البرهاني إلا ليعلموا به الأشياء التي لا تعلم إلا بالقياس ، وهي الأشياء التي لا يمكن أن تعلم بالحسّ ولا بأوائل العقول ، بل بطريق الاستدلال وهو المسمّى البرهان . واعلم يا أخي بأن لكل صناعة أهلا ، ولأهل كل صناعة أصولا في صناعتهم ، هم متفقون عليها ، وأوائل في علومهم لا يختلفون فيها ، لأن أوائل كلّ صناعة مأخوذة من صناعة أخرى قبلها في الترتيب . فصل في أن صناعة البرهان نوعان واعلم بأن أوائل صناعة البرهان مأخوذة مما في بداية العقول ، وأن التي في بداية العقول مأخوذة أوائلها من طريق الحواسّ كما بيّنّا قبل . واعلم أن صناعة البرهان نوعان : هندسيّة ومنطقيّة . فالأوائل التي في صناعة الهندسة مأخوذة من صناعة أخرى قبلها مثل قول أقليدس : النقطة هي شيء لا جزء له ، والخطّ طول بلا عرض ، والسطح ما له طول وعرض ، وما شاكل هذه من المصادرات « 1 » المذكورة في أوائل المقالات . فهكذا أيضا حكم البراهين المنطقيّة ، فإن أوائلها مأخوذة من صناعة قبلها ، ولا بدّ للمتعلّمين أن يصادروا عليها قبل البرهان . فمن ذلك قول صاحب المنطق : إن كل شيء

--> ( 1 ) المصادرات : جمع المصادرة ، وهي التي تجعل النتيجة جزء القياس ، أو تلزم النتيجة من جزء القياس ، كقولنا : الانسان بشر ، وكل بشر ضحّاك ، فالكبرى هنا والمطلوب شيء واحد ، لأن البشر والانسان مترادفان في اتحاد المفهوم ، فتكون الكبرى والنتيجة شيئا واحدا . وقد تطلق المصادرات على مقدّمات مذكورة في العلوم المعروفة ، مسلحة في الوقت مع استنكار وتشكيك .