إخوان الصفاء

433

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل في بيان حاجة الإنسان إلى استعمال القياس اعلم يا أخي بأنه لما كانت الحواسّ تدرك أن الأشخاص مركّبة من جواهر بسيطة ، في أماكن متباينة ، وأعراض جزئيّة ، في محالّ متميّزة ، عرفت أنها أعيان غيريّات موجودة فحسب . وأما كمّيّاتها وكيفيّاتها فلم تعلم على الاستقصاء إلّا بالقياسات الموضوعة المركّبة . مثال ذلك أنه إذا علم الإنسان بالحواسّ أن بعض الأجسام ثقيلة أو كثيرة أو عظيمة ، فإنه لا يمكنه أن يعلم كميّة أثقالها إلا بالميزان ، ولا كثرتها إلّا بالكيل ، ولا إلّا بالذّرع ، وما شاكل هذه ، وهي كلّها موازين ومقاييس يعلم الإنسان بها ما لا يمكنه أن يعلمه بالحزر والتخمين . فصل في وجوه الخطأ في القياس واعلم يا أخي بأن الخطأ يدخل في القياس من وجوه ثلاثة ، أحدها أن يكون المقياس معوجّا ناقصا أو زائدا ، والثاني أن يكون المستعمل للقياس جاهلا بكيفيّة استعماله ، والثالث أن يكون القياس صحيحا ، والمستعمل عارفا ، ولكن يقصد فيغالط دغلا وغشّا لمأرب له . فصل في كيفية دخول الخطأ من جهة المستعمل الجاهل واعلم يا أخي بأن الإنسان مطبوع على استعمال القياس منذ الصّبا ، كما هو مجبول على استعمال الحواسّ ، وذلك أن الطفل إذا ترعرع واستوى ، وأخذ يتأمّل المحسوسات ، ونظر إلى والديه وعرفهما حسّا وميّز بينهما ، وبين نفسه ، أخذ عند ذلك باستعمال الظنون والتّوهّم والتخمين . فإذا رأى