إخوان الصفاء
434
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
صبيّا مثله وتأمله علم عند ذلك أن له والدين وإن لم يرهما حسّا ، قياسا على نفسه ، وهذا قياس صحيح لا خطأ فيه ، لأنه استدلال بمشاهدة المعلول على إثبات العلة . فإن كان له إخوة وقد عرفهم بالحسّ ، أخذ عند ذلك أيضا بالتوهّم والظن والتخمين ، بأن لذلك الصبي أيضا إخوة ، قياسا على نفسه ، وهذا القياس يدخله الخطأ والصواب ، لأنه استدلال بمشاهدة المعلول على إثبات أبناء جنسه ، لا على إثبات علّته . وهكذا أيضا كلما رأى هذا الصبيّ امرأة ورجلا ، ظنّ وتوهّم أن لهما ولدا وإن لم ير ولدهما ، قياسا على حكم والديه ، وربما صدق هذا القياس حكمه ، وربما كذب ، لأنه استدلال بمشاهدة أبناء جنس العلّة على إثبات معلولاتها . وعلى هذا المثال يقيس الإنسان من الصّبا كلما وجد حالا أو سببا لنفسه أو لأبويه أو لإخوته ، ظنّ مثل ذلك وتوهّم لسائر الصّبيان ولآبائهم ولإخوتهم ، قياسا على نفسه وأبويه وإخوته ، حتى إنه كلما أصابه جوع أو عطش أو عري ، أو وجد حرّا أو بردا ، أو أكل طعاما فاستلذّه ، أو شرب شرابا فاستطابه ، أو لبس لباسا فاستحسنه ، أو حزن على شيء فاته ، أو فرح بشيء وجده ، ظنّ عندما يصيبه من هذه الأحوال شيء أن قد أصاب سائر الصّبيان الذين هم أبناء جنسه مثل ذلك . وعلى هذا المثال تجري سائر ظنونه وتوهّمه في أحكام المحسوسات ، حتى ربما كان في دار والديه دابّة أو متاع أو أثاث أو بئر ماؤها مالح ، ظنّ وتوهم أن في سائر دور الصّبيان مثل ذلك ، حتى إذا بلغ وعقل وتفحّص الأمور المحسوسة ، واعتبر أحوال الأشخاص الموجودة ، عرف عند ذلك حقائق ما كان يظنّ ويتوهّم في أيام الصبا ، واستبان له شيء بعد شيء صوابا كان ظنّه أو خطأ .