إخوان الصفاء
432
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فيه هو أن يشار إلى نوع من الأنواع ، ثم يبحث عن جنسه وكمّية فصوله ، وتجمع كلّها في أوجز الألفاظ ، ويعبّر عنها عند السؤال ؛ مثال ذلك : ما حدّ الإنسان ؟ فيقال : حيوان ناطق مائت . فإن قيل : ما حدّ الحيوان ؟ فيقال : جسم متحرّك حسّاس . فإن قيل : ما حدّ الجسم ؟ فيقال : جوهر مركب طويل عريض عميق . فإن قيل : ما حدّ الجوهر ؟ فيقال : لا حدّ له ، ولكن له رسم ، وهو أن تقول : هو الموجود القائم بنفسه ، القابل للصفات المتضادّة ، فإن قيل : ما الصفات المتضادّة ؟ فيقال : أعراض حالّة في الجواهر لا كالجزء منها . فعلى هذا القياس يعتبر طريق الحدود ، وقد أفردنا لها رسالة . وأما طريق البرهان والغرض المطلوب فيه فهو معرفة الصّور المقوّمة التي هي ذوات أعيان موجودة ، والفرق بينها وبين الصّور المتمّمة لها التي هي كلها صفات لها ونعوت وأحوال ترادفت عليها ، وهي موصوفة بها ، ولكن الحواس لا تميّزها لأنها مغمورة تحت هذه الأوصاف ، مغطّاة بها ، فمن أجل هذا احتيج إلى النظر الدقيق والبحث الشافي في معرفتها ، والتمييز بينها وبين ما يليق بها ويترادف عليها بطريق القياس والبرهان . فصل في ماهية القياس واعلم يا أخي أنه لما كان أكثر معلومات الإنسان مكتسبا بطريق القياس ، وكان القياس حكمه تارة يكون صوابا ، وتارة يكون خطأ ، احتجنا أن نبيّن ما علّة ذلك ، لكيما يتحرّز من الخطأ عند استعمال القياس ، فنقول : القياس هو تأليف المقدّمات ، واستعماله هو استخراج نتائجها ، ومقدّمات القياس مأخوذة من المعلومات التي في أوائل العقول ، وتلك المعلومات أيضا مأخوذة أوائلها من طرق الحواسّ ، كما بيّنّا في رسالة الحاسّ والمحسوس كيفيّتها .