إخوان الصفاء
425
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
عقولهم ميزانا مستويا وقياسا صحيحا ، ليكون قاضيا بينهم فيما يختلفون فيه ، لا يدخله الخلل ، وإذا تحاكموا إليه قضى بالحق وحكم بالعدل ، لا يحابي أحدا ، وهو القياس الذي يسمّى البرهان المنطقي ، المماثل للبرهان الهندسي الذي يشبه البرهان العدديّ . فصل في القياس المنطقي واعلم بأنه لما كان مقياس كل صناعة ، وميزان كل بضاعة متّخذا من الأشياء التي تشاكلها من موضوعاتها ، كالموازين التي يعرف بها الأثقال بصنجات « 1 » لها ثقل ، وميزان المساحة الذي تعرف به أبعاد أشياء لها أبعاد ، وهي الذراع والباب والأشل ، ومثل المسطرة التي تعرف بها الأشياء المستوية ، فهكذا قاس الذين استخرجوا البرهان المنطقيّ وقالوا : إن اختلاف العلماء فيما يدّعون من الحق والباطل والصواب والخطأ الذي في ضمائرهم لا يتبيّن لنا إلّا في أقاويلهم من الصّدق والكذب ، وإن الأقاويل الصادقة والكاذبة لا تعرف إلا بميزان وقياس يقاس بهما ويوزن . ولما كان الميزان أيضا لا يكون إلا من أشياء تجمع وتركّب ضربا من التأليف ، حتى تصير ميزانا يمكن ان يوزن به ويقاس عليه ، مثال ذلك الميزان الذي تعرف به الأثقال ، فإنه مجموع من كفّتين وعمود وخيوط وصنجات ، فهكذا سلكوا في اتخاذ الميزان المنطقي الذي يسمّى البرهان ، وبدءوا أولا فذكروا الأشياء التي منها يكون الميزان والموزون جميعا في قاطيغورياس ، ثم ذكروا في بارامانياس كيف تركّب وتؤلّف تلك الأشياء ، حتى يكون منها ميزان ومقياس ، ثم ذكروا في أنولوطيقا الأولى كيف يعتبر ذلك الميزان ، حتى لا يكون فيه الغبن والاعوجاج ، ثم ذكروا كيفيّة الوزن به ، حتى يصحّ ولا يدخل الخلل في أنولوطيقا الثانية .
--> ( 1 ) الصنجات : عيارات الميزان .