إخوان الصفاء
426
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل في أن الحكم على الأشياء بالعقل والحث على تحرّي الصواب واعلم يا أخي بأن الإنسان قادر على أن يقول خلاف ما يعلم ، ولكن لا يقدر أن يعلم خلاف ما يعقل ، وذلك أنه يمكنه أن يقول : زيد قائم قاعد في حال واحدة ، ولكن لا يمكنه أن يعلم ذلك ، لأن عقله ينكره عليه . فلما كان هذا هكذا فلا ينبغي أن ينزل بالحكم على قول القائلين ، ولكن على حكم العقول . واعلم يا أخي بأن أهل كل صناعة يحرصون على حفظ أنفسهم من الخطأ والزلل في صناعتهم ، وذلك أن أهل كل علم يتجنّبون الخطأ ، ويتحرّون الصواب والحق ، ويجتهدون في ذلك ، فينبغي لإخواننا ، أيّدهم اللّه وإيانا بروح منه ، ومن يتعاطى منهم المنطق الفلسفي أن يحفظ أقاويله من التناقض من أولها إلى آخرها ؛ فإن من المتكلّمين من يحفظ أقاويله من التناقض في مجلس واحد أو عدّة مجالس ، ولكن قلّ من يحفظ كلّ أقاويله من أوائلها إلى أواخرها ، حتى لا يناقض بعضها بعضا . مثال ذلك من قال في كتاب له : إن من شأن النفس أن تتبع مزاج البدن . ثم قال في كتاب آخر : إن النفس مزاج البدن . ثم قال في كتاب آخر : لا أدري ما النفس ؟ أو مثل من يعتقد بأن اللّه ، عزّ وجل ، خلق الخلق لينفعهم ، ثم يقول ويعتقد بأنه لا يغفر لهم ولا يخرجهم من النار . ومثل من يعتقد بأن المكان جسم أو عرض حالّ في الجسم ، ثم يعتقد أنه يبطل الجسم ويبقى المكان فارغا . ومثل من يقول : إن الجزء لا يتجزأ . ثم يعتقد بأن له ستّ جهات ، وهو يشغل الحيّز ، وما شاكل ذلك من الأقاويل المتناقضة والآراء الفاسدة يعتقدها إنسان واحد في نفسه ، ثم يتعاطى مع هذا المنطق الفلسفي والبرهان الحقيقي . واعلم يا أخي علما يقينا بأن أهل كل صناعة وعلم إذا لم يكن لهم أصل