إخوان الصفاء

416

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

واعلم بأن الحكم نوعان : تارة يكون الصّدق والكذب فيه ظاهرين ، وتارة يكونان فيه خفيّين ، بيان ذلك أنه متى كان قول القائل محتملا للتأويل ، لم يتبيّن فيه الصّدق والكذب ، ومتى كان غير محتمل للتأويل بان فيه الصّدق والكذب . واعلم بأن القول يكون غير محتمل للتأويل متى كان محصورا ، والمحصور من الأقاويل ما كان عليه سور « 1 » ، وسور الأقاويل نوعان : كلّي وجزئي ، فالسور الكليّ مثل قولك : كلّ إنسان حيوان ، فهذا صدق وظاهر بيّن لأن عليه سورا كلّيّا . والكذب الظاهر البيّن مثل قول القائل : ليس واحد من الناس حيوانا ، فكذب ظاهر ، لأن عليه سورا كلّيّا ، وأما السّور الجزئيّ فمثل قولك : بعض الناس كاتب ، وبعض الناس ليس بكاتب ، والصدق فيهما ظاهر بيّن ، لأن عليهما سورا جزئيا . وأما ما كان من الأقاويل الغير المحصورة فهو الذي ليس عليه سور ، وهو نوعان : مهمل ومخصوص . فالمهمل مثل قولك : الإنسان كاتب ، والإنسان ليس بكاتب ، فلا يتبيّن فيه الصّدق والكذب ، لأنه لا يمكن للقائل أن يقول أردت بعض الناس . وأما المخصوص فمثل قول القائل : زيد كاتب ، وزيد ليس بكاتب ، فلا يتبيّن فيهما الصّدق والكذب ، لأنه يمكنه أن يقول : أردت بزيد الفلانيّ . وأما إذا جعل على كل قول قائل سور كليّ كما وصفنا ، فيتبيّن الصّدق عند ذلك لأنه لا يمكنه أن يقول : أردت غير ما أوجبه الحكم . واعلم أنه يجب على المستمع أن يلزم القائل ما يوجبه قوله ، ويطالبه به ، لا بما في ضميره ، لأن الضمائر لا يطّلع عليها أحد إلّا اللّه تعالى ؛ فقد تبيّن بهذا المثال أن الكلام إذا لم يكن محصورا بسور ، لا يتبيّن فيه الصّدق ولا الكذب ظاهرا .

--> ( 1 ) السور عند المنطقيين : هو اللفظ الدال في القضية على كمية أفراد الموضوع ككل وبعض ونحوهما ، في نحو قولك : كل إنسان حيوان وبعض الحيوان إنسان .