إخوان الصفاء

411

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

الصنائع ، ومنها ما لا يبقى للفاعل أثر كالرقص والغناء . وجنس ينفعل نوعان : إما في الأجسام كما بيّنّا في رسالة الصنائع العملية ، وإما في النفوس كما بيّنّا في رسالة الصنائع العلمية . وإذ قد فرغنا من ذكر الأجناس العشرة ، وبيّنّا كيفيّة انقسامها إلى الأنواع ، فنحتاج أن نذكر الأشياء التي لا بدّ من ذكرها ، وذلك أن هذه الأشياء ، إذا قابل بعضها بعضا ، فلا يخلو أن يكون تقابلها في القول أو في ذواتها ، فالذي في القول هو الإيجاب والسّلب ، فالإيجاب هو إثبات صفة لموصوف ، والسّلب هو نفي صفة عن موصوف ، والذي يخصّ هذا التّقابل الصّدق والكذب . وأما الذي في ذوات الأشياء فهو ثلاثة أنواع ، أحدها في الأشياء المتضادّة ، والآخر في الأشياء التي في جنس المضاف ، والآخر في القنية والعدم . والمتضادّان هما الشيئان اللذان ينافي كلّ واحد منهما صاحبه ، ولا يدور عليه ؛ والمتضادان نوعان : ذو وسط وغير ذي وسط . فالذي هو ذو وسط مثل السواد والبياض اللذين هما ضدّان وبينهما وسائط من الألوان كالحمرة والصّفرة والخضرة وغيرها ، ومثل الحلو والمرّ ، فإنهما ضدّان وبينهما طعوم أخر ، كالحموضة والملوحة والعذوبة وغيرها من الطعوم . وغير ذي الوسط كالصحة والمرض . ومن خاصيّة هذين الضدين أن أحدهما إذا كان في الجسم فالآخر أيضا يكون في الجسم ، فإن كان أحدهما في النفس فالآخر أيضا يكون في النفس ؛ وخاصيّة أخرى أن إدراك أحدهما إذا كان بحاسّة ، فالآخر أيضا يدرك بتلك الحاسّة . مثال ذلك أن السواد لا يكون إلّا في الجسم ولا يدرك إلّا في البصر ، كذلك حكم البياض ؛ والعلم لا يكون إلّا في النفس ولا يدرك إلّا بالعقل ، والجهل كذلك حكمه . وأما المضافان فإنهما متقابلان ولا يتنافيان ، ويدور أحدهما على الآخر كما بيّنّا قبل . وأما القنية والعدم فشبيه الضّدّ والمضاف جميعا ، وذلك أن العدم يضاف إلى القنية ، والقنية لا تضاف إلى العدم ، فيقال : عمى البصر