إخوان الصفاء

400

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فالعلم يهديك إلى طريق ملكوت السماء ، ويعينك على الصّعود إلى هناك ، كقوله تعالى : « إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ » . وأخبر عن أهل الجهالة فقال تعالى : « لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ ، وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ » . وهذا وعيد لهم بالإياس عن الصّعود إلى ملكوت السماء ، فأعيذك أيها الأخ أن ترضى بأن تكون منهم أو معهم ، وقيل إن المرء مع من أحبّ ، بل كن من الذين أمرهم رسول اللّه فقال : كن عالما أو متعلما ، أو تجالس العلماء أو تحب العلماء ، وإيّاك والخامس ، إلّا أن تكون من الطوائف . فصل في اشتراك الألفاظ وأخواتها وإذ قد فرغنا من ذكر المعاني ، وأخبرنا بأنها صور كلّها ورسوم في أفكار النفوس الجزئية ، وأنها تناولتها من الهيولى بطريق الحواسّ ، وقلنا أيضا إن الصّور التي في الهيولى فاضت عليها من النفس الكلّيّة الفلكيّة ، وإن التي في النفس أيضا فاضت عليها من العقل الفعال ، وإن التي في العقل أيضا أفاضها عليه الباري ، عزّ وجلّ . وذكرنا أيضا الألفاظ بمجرّدها ، وأخبرنا أن الحروف التي هي أصوات مفردة إذا ألّفت صارت ألفاظا ، وأن الألفاظ إذا ضمّنت المعاني صارت أسماء ، وأن الأسماء إذا ترادفت صارت كلاما ، وأن الكلام إذا ألصق صار أقاويل . واعلم أن المعاني هي الأرواح ، والألفاظ كالأجساد لها ، وذلك أن كلّ لفظة لا معنى لها فهي بمنزلة جسد لا روح فيه . وكلّ معنى في فكر النفس لا لفظ له فهو بمنزلة روح لا جسد له . واعلم أن الكلمات إذا اتّسقت صارت أقاويل ، وأن الأقاويل تختلف تارة من جهة اللّفظ ، وتارة من جهة المعنى ، وتارة منهما جميعا ، وهي خمسة أنواع ، فمنها المشتركة في اللفظ ، المختلفة في المعنى ،