إخوان الصفاء

371

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

في جميع متصرفاتك وأحوالك في جميع أوقاتك من أمر دنياك وآخرتك ليلا ونهارا إلى تأييدي لك ، وانه لا يخفى علي من أمرك صغيرة ولا كبيرة سرّا وعلانية ، وليتبين لك وتعرف انك محتاج ومفتقر إليّ ، وأنك لا بدّ لك مني ، فعند ذلك لا تعرض عني ولا تنساني ، بل تكون في دائم الأوقات في ذكري ، وفي جميع أحوالك تدعوني ، وفي جميع حوائجك تسألني ، وفي جميع متصرّفاتك تخاطبني ، وفي جميع خلواتك تناجيني وتشاهدني وتراقبني ، وتكون منقطعا إليّ عن جميع خلقي ، ومتصلا بي دونهم ، وتعلم أني معك حيث ما تكون أراك ولا تراني ، فإذا عرفت هذه كلّها ، وتيقنت وبان لك حقيقة ما قلت وصحة ما وصفت ، تركت كل شيء وراءك ، وأقبلت علي وحدك ، فعند ذلك أقرّبك مني وأوصلك إليّ وأرفعك عندي وتكون من أوليائي وأصفيائي وأهل جنتي في جواري مع ملائكتي مكرّما مفضّلا فرحا مسرورا منعّما ملتذّا آمنا أبدا دائما سرمدا . فلا تظنّ بي يا عبدي الظنّ السّوء ، ولا تتوهّم على غير الحق ، واذكر سالف إنعامي عليك وقديم إحساني إليك وجميل آلائي لديك ، إذ خلقتك ولم تكن شيئا مذكورا خلقا سويّا ، وجعلت لك سمعا لطيفا ، وبصرا حادّا ، وحواسّ درّاكة ، وقلبا ذكيّا ، وفهما ثاقبا ، وذهنا صافيا ، وفكرا لطيفا ، ولسانا فصيحا ، وعقلا رصينا ، وبنية تامة ، وجنانا ثابتا ، وصورة حسنة ، وأعضاء صحيحة ، وأدوات كاملة ، وجوارح طائعة ؛ ثم ألهمتك الكلام والمقال ، وعرّفتك المنافع والمضارّ ، وكيفيّة التصرف في الأحوال والصنائع والأعمال ، وكشفت الحجب عن بصرك ، وفتحت عينيك لتنظر إلى ملكوتي وترى عجائب فعلي ، وتقدير مجاري الليل والنهار ، والأفلاك الدوّارة والكواكب السيّارة ؛ وعلّمتك حساب الأوقات والأزمان والشهور والأعوام ، وسخّرت لك ما في البر والبحر من المعادن والنبات والحيوان تتصرف فيها تصرّف الملّاك ، وتتحكم عليها تحكّم الأرباب ، فلما رأيتك متعديا وجائرا ظالما طاغيا باغيا