إخوان الصفاء
355
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فقد بيّنا ما الحكمة والفائدة في كون الرغبة والحرص في الجبلة المركوزة ؛ فإذا طلب ما لا يحتاج اليه كان مذموما ، أو جمع أكثر مما يحتاج اليه كان متعوبا ، أو جمع ولم ينفق ولم يستعمل في وقت الحاجة اليه كان مقترا محروما ؛ فإن أنفق واستعمل فيما لا ينبغي كان مسرفا مخطئا جائرا معاقبا معذّبا . وروي عن رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وآله ، أنه قال : من طلب الدنيا تعفّفا عن المسألة ، وتوسّعا على عياله ، وتعطّفا على جاره ، لقي اللّه يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر . ومن طلب الدّنيا مكاثرا مفاخرا مرائيا ، جعل اللّه فقره بين عينيه ، ولم يبال اللّه به بأيّ واد هلك . فأما كون الحسد المركوز في الجبلة ، الموجود في الخليقة ، فهو من أجل التنافس في الرّغائب من نعم اللّه ، وذلك أن نعم الباري تعالى على خلقه كثيرة لا يحصي عددها إلّا هو ، ولم يمكن أن يجمع عددها كلّها على شخص واحد ، ففرّقت في الأشخاص بالقسط « 1 » كما شاء ربّهم ، عزّ وجلّ ، وضعها ، وفضّل بعضهم على بعض كما اقتضت حكمته ، فلم يخل أحد من الخلق من نعم اللّه وآلائه ، ولا استوفاها أحد من خلقه . فمن رأى على أحد من الخلق نعمة ليست عليه بعينها ، فلينظر هل عليه نعمة ليست بعينها على ذلك الشخص ، فيقابل هذه بتلك ، ويشكر اللّه ، ويسأله أن يديمها عليه . ومن رأى على أخيه نعمة ليس عليه مثلها ، فليسأل اللّه تعالى من فضله ، ولا يتمنّ زوال تلك عن أخيه ، فإن ذلك هو الحسد بعينه ، وهو المذموم الذي يكون الحاسد به معذّبة نفسه ، مؤلّما قلبه ، عدوّا لنعم اللّه على خلقه .
--> ( 1 ) القسط : العدل .