إخوان الصفاء
356
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل في الحرص والزهد ودرجات الناس اعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأنك إن أنعمت النظر بعقلك ، وجوّدت الفكر برويّتك ، وتأملت أمور الدّنيا ، واعتبرت تصاريف أحوال الناس ، تبيّنت وعرفت أن أكثر الشرور التي تجري بين الناس إنما سببها شدّة الرغبة في الدّنيا ، والحرص على طلب شهواتها ولذّاتها ورئاستها ، وتمنّي الخلود فيها . وإذا تأملت واعتبرت وجدت أسّ كل خير وأصل كل فضيلة الزّهد في الدّنيا وقلّة الرغبة في شهواتها ونعيمها ولذّاتها ، والرغبة في الآخرة ، وكثرة ذكر المعاد في آناء الليل وأطراف النهار ، والاستعداد للرّحلة إليها . واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأن الخلق كلّهم عبيد اللّه وأهل طاعته طوعا أو كرها ، ولكن منهم خاصّ وعامّ ، وما بينهما طبقات متفاوتة الدّرجات ، فأول الخواصّ هم العقلاء الذين توجّه نحوهم الخطاب بالأمر والنهي والوعد والوعيد والمدح والذّمّ والترغيب والترهيب ؛ ثم إن اللّه تعالى بواجب حكمته رفع قدر المؤمنين على سائر العقلاء ، وهم المقرّون والقابلون أوامره ونواهيه ، المنقادون لطاعته فيما رسم لهم في أحكام النواميس وموجبات العقول ، التاركون لما نهوا عنه سرّا وعلانية . ثم إن اللّه ، سبحانه ، رفع من المؤمنين المقرّين المخلصين ، واصطفى منهم طائفة وفضّلهم على غيرهم ، وهم العلماء والفقهاء الذين اجتهدوا في تعلّم أوامر الناموس ونواهيه وأحكامه وحدوده وشرائطه بواجبها ، كما ذكر اللّه تعالى بقوله : « يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ » . ثم إن اللّه ، جلّ اسمه ، رفع من جملة العلماء طائفة ، وهم التائبون العابدون والصالحون الورعون المتّقون المحسنون بما استحقّوا باجتهادهم من القيام بواجبات أحكام الناموس ، درجات ، كما ذكر اللّه ، عزّ وجلّ ، بقوله : « أَمَّنْ