إخوان الصفاء

354

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

ينبغي ، من أجل ما ينبغي ، سمّي ذلك محمودا ، فيكون عامل ذلك طلق النفس ذا مروءة ، عالي الهمة عفيفا كريما جميلا ديّنا ، ويكون صاحبه محمودا معظّما مبجّلا مهيبا . وأما التكبّر عن قبول الحق ، وترك الإقرار بالواجب ، والفسق « 1 » عن أمر الرئيس ، وترك الانقياد والإذعان للطاعة المفروضة ، فهو المذموم ، وهو هو الشرّ والمعصية والمنكر . وأقول بالجملة : ينبغي لك يا أخي أن تعلم وتتيقّن بأنك كما تريد وتحبّ وتشتهي من عبدك أن ينقاد لأمرك ، وكذلك خادمك وأجيرك وتابعك وزوجك وولدك ، ولا يتكبّرون عليك ، ولا يخرجون عن أمرك ، ولا يجاوزون نهيك ، فهكذا ينبغي ويجب أن تكون لرئيسك ، ومن هو فوقك في الأمر والنهي ، حتى تكون عادلا منصفا محقّا ممدوحا مثابا مجازى ملتذّا فرحا مسرورا منعّما مكرّما . فقد تبين ، بما ذكرنا ، ما الحكمة والفائدة في وجود التكبّر في طباع النفس المركوزة في جبلتها ، ومتى يكون صاحبه مذموما معاقبا ، ومتى يكون محمودا مثابا . وأما كون الحرص في طلب المرغوب فيه الموجود في الخليقة ، المركوز في الجبلة ، فهو من أجل ان الإنسان لما خلق محتاجا إلى موادّ لبقاء هيكله ودوام شخصه مدة ما ، وإبقاء صورته في نسله زمانا ما ، جعل في طبعه وجبلته الرغبة فيها والحرص في طلبها والجمع لها والادخار والحفظ لوقت الحاجة إليها ، إذ كان ليس في كلّ وقت وفي كلّ مكان موجودا ما يريده ويحتاج إليه . فإذا رغب الإنسان فيما يحتاج إليه ، وطلب ما ينبغي له ، وجمع مقدار الحاجة وحفظه إلى وقت الحاجة ، ثم استعمل ما ينبغي كما ينبغي ، وأنفق بقدر الحاجة ، فهو يكون محمودا عادلا منصفا محقّا مصيبا مأجورا ملتذّا مثابا منعّما فرحا مسرورا مكرما .

--> ( 1 ) الفسق : العصيان .