إخوان الصفاء

338

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

والفاسقين مماثل لوعيد الطبيب المشفق الحكيم لولده الجاهل العليل ، كما بيّنّا في رسالة الآلام واللذات . وقد ذكر اللّه وعده للمؤمنين ووعيده للكافرين والمنافقين في القرآن في نحو من ألف آية مثل قوله تعالى : « وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ » الآية . وإنما جعل اللّه ، جلّ ثناؤه ، ثواب المؤمنين الجنان ونعيم الآخرة ، لأن الإيمان خصلة تجمع فضائل كثيرة ملكيّة ، وشرائط كثيرة عقلية ، فللمؤمنين علامات يعرفون بها ويتميّزون عن الكافرين والمنافقين . وقد بيّنّا طرفا من هذا العلم في رسالة الإيمان وخصال المؤمنين ، ولكن نحتاج أن نذكر في هذه الرسالة طرفا منها ليكون تذكارا وموعظة للغافلين ، كما أمر اللّه تعالى بقوله : « وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ » . فصل اعلم يا أخي ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن خواصّ عباده المؤمنين العارفين المستبصرين يعاملون اللّه ، جلّ ثناؤه ، بالصدق واليقين ، ويحاسبون أنفسهم في ساعات الليل والنهار فيما يعملون ، كأنهم يشاهدون اللّه ويرونه ، فيجدون ثواب أعمالهم ساعة ساعة لا يتأخر عنهم لحظة واحدة ، وهي البشرى في الحياة الدنيا ، قبل بلوغهم إلى الآخرة ، ويرون جزاء سيّئاتهم أيضا يعقب أفعالهم ، لا يخفى عليهم إلّا قليل ، وإليهم أشار بقوله ، جلّ ثناؤه : « إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا ، فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ » وبقوله تعالى : « إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ » وقال : « إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ » . وآيات كثيرة ذكرها بمدحهم وحسن الثناء عليهم ، وهم أعرف الناس بالله وأحسنهم معاملة معه . وذكروا أن واحدا منهم اجتاز يوما في بعض سياحته براهب في صومعة له على رأس تلّ ، فوقف بإزائه ، فناداه : يا راهب ! فأخرج رأسه إليه من