إخوان الصفاء

339

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

صومعته وقال : من هذا ؟ قال : رجل من أبناء جنسك الآدميّين . قال : فما تريد ؟ قال : كيف الطريق إلى اللّه ؟ قال الراهب : في خلاف الهوى . قال له : فما خير الزاد ؟ قال : التقوى . قال : لم تباعدت عن الناس وتحصّنت في هذه الصومعة ؟ قال : مخافة على قلبي من فتنتهم وحذرا على عقلي الحيرة من سوء عشرتهم ، فطلبت راحة نفسي من مقاساة مداراتهم وقبيح أفعالهم ، وجعلت معاملتي مع ربي فاسترحت منهم . قال : فأخبرني كيف وجدتهم ؟ قال : أسوأ قوم وأشرّ أصحاب ، ففارقتهم . قال : فكيف وجدتم ، يا معشر أتباع المسيح ، معاملتكم مع ربكم ؟ فأصدقني القول ودع عنك تزويق الكلام وزخارف الألفاظ . فسكت الراهب متفكّرا ثم قال : أسوأ معاملة تكون . قال له : وكيف ذلك ؟ قال : لأنه أمرنا بكدّ الأبدان ، وجهد النفوس ، وصيام النهار ، وقيام الليل ، وترك الشهوات المركوزة في الجبلة ، ومخالفة الهوى الغالب ، ومجاهدة العدوّ المتسلّط ، والرضى بخشونة العيش ، والصبر على الشدائد والبلوى ، ومع هذه كلّها جعل الأجر نسيئة « 1 » في الآخرة بعد الموت ، مع بعد الطريق وكثرة الشكوك والحيرة ، فهذه حالتنا في معاملتنا مع ربنا ؛ فخبرني عنكم ، يا معشر أتباع أحمد ، كيف وجدتم معاملتكم مع ربكم ؟ قال : خير معاملة تكون وأحسنها . قال الراهب : صفها لي . قال له : انه أعطانا سلفا « 2 » كثيرة ، ومواهب جزيلة لا تحصى فنون أنواعها من النّعم والإحسان والأفضال ، فنحن ، ليلنا ونهارنا ، نتقلّب في أنواع من نعمه وفنون من آلائه ما بين سالف معتاد ، وآنف « 3 » مستفاد ، وخالف منقاد . قال الراهب : كيف خصصتم بهذه

--> ( 1 ) النسيئة : التأخير إلى اجل معلوم . ( 2 ) السلف : جمع السلفة ، وهي ما يعجّل الرجل من الطعام لضيوفه ليتعللوا به قبل الغداء . ( 3 ) الآنف : القريب الوقت .