إخوان الصفاء
320
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
الناطقة الإنسانية تحت العاقلة الحكمية وجعلها خادمة لها ، ورتّب العاقلة تحت الناموسيّة وجعلها خادمة لها ، ورتّب الناموسية تحت الملكيّة وجعلها خادمة لها ؛ فأيّة نفس منها انقادت لرئيسها وامتثلت أمره في سياستها ، نقلت إلى مرتبة رئيسها ، وصارت مثلها في الفعل ، والمثال في ذلك من المشاهد أن أيّ تلميذ أو متعلّم في علم أو صناعة امتثل أمر أستاذه وانقاد لمعلّمه ودام عليه ، فإنه سيصير يوما ما إلى مرتبة أستاذه ، ويصير مثل معلمه ؛ لا يخفى هذا على كلّ عاقل متأمّل مثل ما وصفنا ، فعلى هذا المثال يكون تنقّل النفوس في مراتبها . واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأن أحقّ النفوس الحيوانية أن تنقل إلى رتبة الإنسانية التي هي الخادمة للإنسان ، المستأنسة به ، المنقادة لأمره ، المتعوبة في طاعته ، الشقيّة في خدمته ، وخاصّة المذبوحة منها في القرابين . وعلى هذا المثال والقياس حكم النفوس الإنسانية ، فإن أحقّها أن تنتقل إلى رتبة الملائكة التي هي الخادمة في أوامر الناموس ونواهيه ، المنقادة لأحكامه ، المتعوبة في حفظ أركانه ، كما سنبيّن بعد هذا الفصل . واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأن الناس أصناف وطبقات في متصرّفاتهم في أمور الدنيا لا يحصي عددها إلّا اللّه ، جلّ ثناؤه ، كما ذكر بقوله تعالى : « وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً » ولكن يجمعهم كلّهم هذه السبعة الأقسام ، وذلك أن منهم أرباب الصنائع والحرف والأعمال ، ومنهم أرباب التّجارات والمعاملات والأموال ، ومنهم أرباب البنايات والعمارات والأملاك ، ومنهم الملوك والسلاطين والأجناد وأرباب السّياسات ، ومنهم المتصرّفون والخدّامون والمتعيّشون يوما بيوم ، ومنهم الزّمنى « 1 » والعطّل وأهل البطالة والفراغ ؛ ومنهم أهل العلم والدين والمستخدمون في الناموس ،
--> ( 1 ) الزمنى : أصحاب العاهات ، مفردها زمين .