إخوان الصفاء

314

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

تلك المشتهيات هي غذاء لأجسامها ، ومادّة لقوامها وسببا لبقائها كلّها ، إذ كان في بقائها كلّها تتميم لمعارفها وتكميل لفضائلها ؛ وفي تتميم معارفها وتكميل فضائلها ترقّ لها إلى أفضل حالاتها وأشرف نهاياتها . وأما المنسوبة إلى النفس الحيوانية المختصّة بها من الخصال المركوزة في الجبلة زيادة على ما تقدّم فهي شهوة الجماع ، وشهوة الانتقام ، وشهوة الرئاسة ، ولها أيضا الهياكل اللحميّة ، والأعضاء المختلفة للأغراض العجيبة ، والمفاصل الليّنة للحركات المكانية والتنقل في الجهات الستّ لمآرب ومنافع كثيرة ؛ ولها الشعور بالحواسّ المخصوصة والأصوات المختلفة لدلالات متباينة ، ولها أيضا الوهم والتخيّل للمطالب والمنافع ، والحفظ والذّكر لعرفان أبناء الجنس والمخالف ، وإمكان الاحتراس من المضارّ ، والنّفور والفرار من العدوّ : كلّ هذه مركوزة في جبلة الحيوانات القريبة النسبة إلى الإنسان . فأما علّة شهوة الجماع المركوزة في جبلتها فهي من أجل التناسل ، والتناسل هو من أجل بقاء الصورة في الأشخاص المتواترة ، إذ كانت الهيولى دائمة في السّيلان لا تقف طرفة عين . وأما علّة شهوة الانتقام المركوزة في جبلتها فهي من أجل دفع المضرّات المفسدات لهياكلها المتشخّصة . واعلم يا أخي بأن دفع المضارّ تارة يكون بالقهر والغلبة ، وتارة يكون بالهرب والفرار ، وتارة بالتحرّز والتحصّن ، وتارة بالمكر والحيلة ، كما قد شرحنا ذلك في رسالة الحيوانات . وأما شهوة الرئاسة المركوزة في جبلّتها فهي من أجل تأكيد السياسة ، إذ كانت السياسة لا تتم إلّا بعد وجدان الرئاسة . واعلم يا أخي بأن المراد من السياسة هو صلاح الموجودات وبقاؤها على أفضل الحالات وأتمّ الغايات كما سنبيّن في فصل آخر . وأما المنسوبة إلى النفس الناطقة المختصّة بها زيادة على ما تقدم ذكره ، فهي شهوة العلوم والمعارف والتبحّر والاستكثار منها ، وشهوة الصنائع